إنشــاء مراكز بيـانات وربطها بمنظومــات الحوسبـة السحابية
يرى محمد الشريف ضروي، خبير في الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، أنّ الخوض في الامتيازات أو التحديات المرتبطة بعالم الفضاء وإطلاق الأقمار الصناعية يقتضي، بالضرورة، التوقف عند التحوّل الجذري الذي طرأ على مفهوم السيادة في العلاقات الدولية، وهو تحوّل باتت تعيه العديد من الدول، وفي مقدمتها الجزائر، التي شرعت في تجسيده ميدانيا عبر خطوات متقدمة ومدروسة.
يؤكد الخبير في تصريح لـ»الشعب» أن السيادة، في مفهومها التقليدي، ارتبطت تاريخيًا بالتحكم في التراب الوطني، ثم امتدت إلى المجال البحري فالجوي، وهي المستويات التي بُنيت عليها العقائد الدفاعية للدول. غير أنّ التطورات التكنولوجية المتسارعة فرضت بعدًا جديدًا، أصبح اليوم يُعرف بالسيادة الرابعة، والمتمثل في السيادة على الفضاء الخارجي، باعتباره مجالًا استراتيجيًا بالغ الحساسية والتأثير.
وأوضح ضروي أن الفضاء لم يعد حكرًا على البحث العلمي أو الاستكشاف، بل تحوّل إلى مجال صراع ناعم وحاد في آن واحد، تتقاطع فيه الأبعاد الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، وهو ما جعل الدول الكبرى والمتوسطة على حد سواء تسعى إلى تثبيت وجودها فيه، حمايةً لمصالحها وتعزيزًا لاستقلال قرارها السيادي.
وفي هذا السياق، يبرز ضروي النهج المتسارع الذي تنتهجه الجزائر لتطوير قدراتها الفضائية ضمن رؤية شاملة تهدف إلى حجز موقع فاعل في هذا المجال الحيوي، مؤكدًا أنّ تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي لا يمكن أن يتم دون الاستثمار في الركيزة الأساسية للسيادة الفضائية، والمتمثلة في منظومة الأقمار الصناعية، سواء من حيث عددها أو تنوع مهامها ومستوى التكنولوجيا المعتمدة فيها.
ولفت ضروي إلى أنّ المعطيات الدقيقة المتعلقة بالقدرات الفضائية تبقى، بطبيعة الحال، غير معلنة بشكل كامل، نظرًا للطابع الأمني والعسكري الذي يطبع هذا القطاع، حتى عندما يتعلق الأمر بأقمار صناعية ذات استخدامات مدنية، كمتابعة المناخ أو مراقبة النشاطات الزراعية، فهذه المعطيات، حسبه، تمس بشكل مباشر أمن الدولة وحماية أسرارها الإستراتيجية.
وعند تقييمه للتجربة الجزائرية، يؤكد الخبير أنّ الجزائر تجاوزت منذ سنوات منطق المقاربة الأحادية في مجال الفضاء، وانتقلت إلى مستوى تعددي متقدم، لا يقتصر على إطلاق أقمار صناعية موجهة لمراقبة الحدود أو دعم العمليات الأمنية، بل يشمل مجالات أوسع، من بينها البحث العلمي، ومراقبة البنية التحتية، وتوفير معطيات دقيقة تغطي كامل الجغرافيا الوطنية.
وأضاف المتحدث أن الجزائر تُعد من بين الدول الإفريقية الرائدة في هذا المجال، حيث تحتل موقعًا متقدمًا من حيث عمليات الإطلاق المرتبطة بالفضاء الخارجي، بعد كل من جنوب إفريقيا ومصر، وهو ما يعكس مستوى التراكم الذي حققته البلاد في مجال التكنولوجيا الفضائية.
كما أشار ضروي إلى أنّ تنوع الأقمار الصناعية الجزائرية يعكس رؤية إستراتيجية واضحة، تشمل أقمارًا مخصّصة لمتابعة التغيرات المناخية، وأخرى لمراقبة النشاطات الفلاحية، وتوفير إحصائيات دقيقة تساعد المصالح المختصة على تحسين التخطيط والاستجابة. ويضاف إلى ذلك أقمار الاستشعار المتعدد، التي تكتسي أهمية خاصة في مراقبة الثروات الغابية، في ظل التحديات المرتبطة بالحرائق، والجفاف والتصحر.
ويضيف ضروي أن أهمية السيادة الفضائية لا تتوقف عند حدود الاستخدامات التقنية أو الأمنية المباشرة، بل تمتد لتشمل البعد الاقتصادي الاستراتيجي، حيث أصبحت الأقمار الصناعية عنصرًا محوريًا في دعم اتخاذ القرار الاقتصادي، من خلال توفير معطيات دقيقة تتعلق بالموارد الطبيعية، وشبكات النقل، وتطور المدن، ومشاريع البنية التحتية الكبرى، ويؤكد أنّ امتلاك هذه المعطيات بشكل سيادي يجنّب الدول التبعية للخدمات الأجنبية، ويمنحها قدرة أكبر على التخطيط المستقل، خاصة في الدول ذات المساحات الشاسعة مثل الجزائر.
وفي السياق ذاته، شدد الخبير على أنّ بناء قوة فضائية وطنية يتطلب، إلى جانب الاستثمار في التكنولوجيا، التركيز على المورد البشري، من خلال تكوين كفاءات جزائرية عالية التأهيل في مجالات هندسة الفضاء، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، وربط البحث العلمي بالاحتياجات الإستراتيجية للدولة.
ويرى ضروي أنّ الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يتمثل في الانتقال من منطق اقتناء التكنولوجيا إلى منطق إنتاجها وتطويرها محليًا، بما يسمح للجزائر بتعزيز استقلالها الاستراتيجي، وترسيخ موقعها كفاعل إقليمي مؤثر في مجال السيادة الفضائية والرقمية.
ومن زاوية أوسع، يؤكد الخبير في الدراسات الإستراتيجية أنّ التنافس في الفضاء لم يعد منفصلًا عن الفضاء الرقمي، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ منه، خاصة مع دخول التكنولوجيات العميقة في الحياة اليومية للمجتمعات. وفي هذا الإطار، تسارع الجزائر إلى تطوير بنيتها التحتية الرقمية، من خلال إنشاء مراكز بيانات وطنية وربطها بمنظومات الحوسبة السحابية، في إطار مقاربة تهدف إلى ضمان التحكم السيادي في المعطيات.
ويعتبر ضروي أنّ التحكم في البيانات، سواء المتعلقة بالأفراد أو بالمؤسسات أو بالهيئات الحكومية، أصبح عنصرًا أساسيًا من عناصر السيادة الوطنية، خاصة في عالم باتت فيه المعلومة والبيانات تشكّل أحد أهم مصادر القوة. ومن هذا المنطلق، فإن ضبط مجال الحوسبة السحابية لم يعد خيارًا تقنيًا، بل ضرورة استراتيجية تمس الاستقرار والتنمية والبحث العلمي.
وتابع قائلا « الجزائر تدخل اليوم مرحلة جديدة في مسار ترسيخ سيادتها الشاملة، من خلال الجمع بين الفضاء الخارجي والفضاء الرقمي، وتسعى خلال السنوات القادمة إلى توسيع حضورها على المستويين الإفريقي والمتوسطي، ضمن رؤية تستشرف مستقبل السيادة في عالم سريع التحوّل، حيث أصبحت التكنولوجيا والبيانات والفضاء عناصر حاسمة في رسم موازين القوة».

