المطلوب مبادرة فرنسية شجاعة نحو التخلّي عن الإنكار التاريخي ^ إقرار ضمني بالمسؤولية العسكرية عن مجازر الثامن ماي
تعتبر زيارة الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش الفرنسية، أليس روفو، إلى مدينة سطيف للمشاركة في إحياء ذكرى مجازر 8 ماي 1945، الجمعة الماضي، بداية التحول في «دبلوماسية الذاكرة» بين الجزائر وفرنسا، حيث، ولأول مرة في التاريخ الفرنسي، تشارك المؤسّسة العسكرية الفرنسية في إحياء هذه الذكرى، في خطوة تتجاوز الإجراء البروتوكولي، إلى اعتراف ميداني ورسالة أولية لرغبة فرنسا في استئناف علاقات طبيعية مع الجزائر المنتصرة.
تحمل مشاركة الوزيرة المنتدبة الفرنسية، في إحياء ذكرى يوم الذاكرة المصادف للثامن ماي من كل عام، دلالات سياسية وتاريخية، منها الاعتراف الضمني بالمسؤولية العسكرية، حيث أنّ المؤسّسة العسكرية في الحقبة الاستعمارية، هي التي نفذت عمليات القمع والقتل في سطيف وقالمة وخراطة عام 1945، وهو ما يمكن اعتباره خطوة أولى نحو الإقرار الرّسمي بأنّ ما حدث كان عملا عسكريا منظما ضدّ مدنيين عزل.
كما أنّ اختيار مدينة سطيف، معقل المجازر الوحشية، ووضع إكليل من الزهور عند النصب التذكاري لأول شهيد سقط حينها «بوزيد سعال»، هو اعتراف بمكانة الضحية في السردية الرسمية الفرنسية. وتعكس هذه المشاركة، إلى جانب مضمون تصريحات الوزيرة الفرنسية، عقب استقبالها من طرف رئيس الجمهورية، محاولة باريس إنهاء حالة «الإنكار» التاريخي الذي استمر لعقود.
روفو: يجب التحلّي بالشجاعة للنظر إلى التاريخ
يرى متابعون للعلاقات الجزائرية الفرنسية، أنّ ما قامت به باريس هو خطوة رمزية وشكلية، واعتراف معنوي من المؤسّسة العسكرية للجمهورية الفرنسية بجرائم فرنسا الاستعمارية، حيث أكّدت الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش الفرنسية، أليس روفو، أنه «يجب التحلّي بالشجاعة للنظر إلى التاريخ كما حدث في حقيقته، مع احترام ذاكرة الجزائر»، وأضافت أنّ الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون كلّفها «بالتعبير عن عزمه على إيجاد كافة السبل لإعادة بعث علاقة قائمة على الاحترام والندية والهدوء والثقة بين بلدينا»، وأنه «يعتزم النظر إلى تاريخنا بكل تبصّر وشجاعة وصدق»، كما تمّ، خلال اللقاء برئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، مناقشة «موضوع اللجنة المشتركة للتاريخ والذاكرة، التي تم تنصيبها سابقا، وقد أبدى الرئيس تبون موافقته على استئناف أعمال هذه اللجنة دون تأخير»، بحسب تصريحات الوزيرة الفرنسية.
هذه الخطوة، تحتاج إلى اعتراف رسمي، كما تطالب به الجزائر ممثلة في رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي أكّد – غير مرة – أنه لا يمكن تجاوز ملف الذاكرة في بعث علاقات طبيعية مع فرنسا، واعتبر أنّ ملف الذاكرة «غير قابل للتقادم ولا التنازل» وأكّد دائما أنّ التعامل مع فرنسا يجب أن يُبنى على الاعتراف الشامل. وأكّد رئيس الجمهورية بمناسبة إحياء يوم الذاكرة، أنّ تضحيات الشعب الجزائري «القاسية ستبقى واحدة من حلقات تاريخنا المعاصر المجيد.. وحاضرة بتفاصيلها في ملف الذاكرة، أحد أهم محدّدات بناء الجسور نحو علاقات متحرّرة من التمجيد الفجّ لحقبة استعمارية مظلمة وظالمة.. ومن خطاب التطرف الحبيس في حنين بائد واهم».
ووجّه السيد الرئيس – بالمناسبة – أوامر لوزارة المجاهدين وذوي الحقوق، من أجل «المباشرة في تجسيد مشروعين، يتعلق الأول بجلسات وطنية للذاكرة والتاريخ، والثاني يخص التحضير لمشروع قانون يتعلّق بالذاكرة الوطنية وفاء لشهداء مجازر 8 ماي 1945 ولشهداء الجزائر، الذين نترحّم بخشوع على أرواحهم الطاهرة في اليوم الوطني للذاكرة المخلّد للذكرى الحادية والثمانين (81) لتلك المجازر، ونجدّد عهدنا معهم لحفظ الأمانة وخدمة الوطن المفدى والشعب الجزائري الأبي في جزائر منتصرة شامخة أبية».
واقع جيوسياسي
من جهة أخرى، يرى مراقبون أنه لا يمكن فصل هذا التوجّه الفرنسي عن التحولات الجيوسياسية الحاصلة في منطقة المتوسط والساحل، حيث أثبتت الوقائع أنّ الجزائر فاعل أساسي مؤثر وموثوق في منطقة الساحل، وأنّ إدارة أي ملف أمني تقتضي – بالضرورة – استشارة الجزائر؛ لأنّ كل ما يجري هناك يمسّ أمنها القومي بطريقة أو بأخرى، كونها الأدرى والأقدر على فهم محيطها.
وفي هذا الإطار، أكّد الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، خلال استقباله الوزيرة الفرنسية، أنه «يتعين على البلدين العمل معا لتجاوز مخلفات هذا الماضي الاستعماري الأليم، دون نسيانه، والتطلّع إلى مستقبل يسوده الاحترام المتبادل، والسعي سويا لتحقيق المصالح المشتركة، ورفع تحديات التحوّلات المتسارعة التي تشهدها الساحتين الإقليمية والدولية». من جهتها اعتبرت الوزيرة الفرنسية أنّ التعاون في المجال الأمني «‘مهم جدا في سياق إفريقي ودولي يتّسم بعدم الاستقرار».

