^ منصوري لـ “الشعب“: لا مفرّ من الالتزام الصارم بعدم الإضرار بالمصالح الجزائرية
^ على باريس دخول السوق الوطنية بعقلية جديــــــــــدة واستثمارات حقيقية وتنافسيـــــــة
أعادت باريس سفيرها إلى الجزائر، في خطوة تأتي لتعكس ضرورة تصحيح الجانب الفرنسي مسار العلاقات الثنائية، وفق المحدّدات التي تضعها الدولة الجزائرية انطلاقا من سيادتها الوطنية ومصالحها العليا، وقد تجسّد هذا المسار بوضوح خلال استقبال رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، للوزيرة المنتدبة المكلفة بقدامى المحاربين، أليس روفو، والتي نقلت رغبة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في إعادة بعث علاقة قائمة على الاحترام والندية والهدوء والثقة.
تعكس تصريحات روفو إقرارا فرنسيا بضرورة التعاطي مع الجزائر وفق مقاربة تحترم استقلال قرارها السياسي، والتخلّي عن الممارسات التي طبعت الفترات الماضية، لتأسيس مرحلة يكون فيها التكافؤ هو الأساس المتين لأي تقارب مستقبلي.
وفي سياق متصل، تضع الجزائر مبدأ «الندية» كقاعدة محورية في إدارة علاقاتها الخارجية، وهي ندية لا تعني تبنّي مسارا صراعيا أو تصعيديا، فهي تهدف إلى التأسيس الفعلي لإطار من التعاون والتقارب على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن أي علاقات تبعية، فالإليزيه مطالب اليوم باستيعاب هذه الرؤية والتعامل مع الدولة الجزائرية كشريك يحدّد مسار شراكاته وفق ما يخدم مصالحه، ممّا يجعل احترام هذه الندية شرطا حتميا لأي حوار أو تعاون مشترك في شتى المجالات.
بالنسبة لملف الثقة، فإنه يمثل النقطة الأهم التي يجب التركيز عليها في هذه المرحلة، غير أنّ العبء يقع بشكل شبه كلي على عاتق الجانب الفرنسي المطالب بتقديم ضمانات تعكس حسن النوايا، وتقطع مع ممارسات الماضي.
وتعود أزمة الثقة بالأساس إلى التجاوزات التي طبعت المشهد السياسي الفرنسي ضدّ جزائر الأحرار في السنوات الأخيرة، حيث قاد اليمين المتطرف حملات ممنهجة مسعورة لم تنحصر في شكل خطاب حزبي معزول أو تصريحات فردية، إنما امتدت لتصل إلى الحكومة الفرنسية وتؤثر على مناخ العلاقات، وقد تجسّد هذا التوجه – بشكل لافت – في الخطاب السياسي الشعبوي لوزير الداخلية السابق، برونو روتايو، الذي بنى جزءا كبيرا من مقاربته على مهاجمة الجزائر واستغلال ورقة العلاقات الثنائية في الحسابات الداخلية، وبالتالي، فإنّ فرنسا مطالبة بتغيير سلوكها من خلال أفعال ملموسة تقطع مع هذه الممارسات نهائيا، بدلا من الاكتفاء بمحاولات شكلية للقفز على واقع العلاقات المعقّد.
وفي هذا الإطار، يؤكّد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور منصوري عبد القادر، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ تصريح الوزيرة المنتدبة يمثل إطارا نظريا لإعادة بعث العلاقات المتعثرة بين البلدين، لكنه أوضح أنّ الأساس يكمن في الممارسة الفعلية على أرض الواقع، وشدّد على ضرورة أن تتوقف فرنسا بشكل صارم عن أي ممارسات مشبوهة قد تضر بالدولة الجزائرية بأي شكل من الأشكال، موضّحا أنّ هذه الممارسات لا يمكن حصرها في جهة واحدة، سواء تعلّقت بتجاوزات اليمين المتطرف أو بأمور أخرى قد تمسّ بالمصالح الجزائرية.
وتطرّق الدكتور منصوري إلى البُعد الاقتصادي، الذي يشهد مخاوف فرنسية جادة من خسارة السوق الجزائري لصالح شركاء آخرين، وهي مخاوف تترجمها لغة الأرقام وتراجع المؤشّرات التجارية، وهنا دعا المتحدث إلى ضرورة أن تسأل باريس نفسها عن أسباب نجاح دول بعيدة جغرافيا عن الجزائر في مجال الاستثمار والشراكة الاقتصادية الفعلية، في حين فشلت هي في تحقيق ذلك، كما أنه على القيادة الفرنسية أن تعي جيدا أنّ العلاقات التجارية المعتمدة حصرا على تصدير المنتجات الجاهزة والبحث عن أسواق استهلاكية قد ولى عصرها، ولا يمكن الاستمرار في هذا النهج، وهذا لا يعني بالضرورة قطع العلاقات التجارية، بل يشترط ألا تكون هي الأساس الوحيد للتعاون.
وأوضح محدثنا أنّ المطلوب من فرنسا هو دخول السوق الجزائرية باستثمارات حقيقية وتنافسية، تقدّم قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وتحترم الشروط التي تضعها الجزائر.
وتمتلك الجزائر اليوم الإمكانات والقدرات لتصدير منتجات عالية الجودة إلى فرنسا، مستفيدة في ذلك من الحضور الفاعل للجالية الجزائرية هناك كعامل داعم ومحفّز لفرض تبادل تجاري متكافئ ومربح للطرفين، لتظل الندية والاحترام والثقة عناصر أساسية في أي مسار دبلوماسي، شريطة أن تتحول من مجرّد إعلانات نوايا تطلق في المناسبات الرسمية، إلى ممارسة عملية تلتزم بها باريس، لتثبت أن الجزائر هي من تدير دفة علاقاتها وتوجّهها بما يصون سيادتها ويحقّق تطلّعاتها التنموية.
