السّـوق الإفريقيـة الحرّة فرصـــة لتنويـــع الاقتصــاد الجزائـري
سجّل الخبير الاقتصادي، عبد النور قاشي، أنّ منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية تمثل فرصة للجزائر لإعادة رسم موقعها الاقتصادي، باعتبارها أكبر فضاء اقتصادي موحّد من حيث عدد الدول، يضم أكثر من 1.3 مليار نسمة، مع توجّه لإلغاء الرّسوم الجمركية على نحو 90 بالمائة من السلع، ما يفتح سوقا واسعة أمام المنتجات والخدمات الإفريقية.
قال الخبير قاشي في تصريح لـ»الشعب»، إنّ الرهان الأساسي بالنسبة للجزائر يكمن في استغلال هذه الديناميكية لتسريع الانتقال نحو اقتصاد متنوّع قائم على التصدير خارج المحروقات، خاصة في ظل استمرار تبعية التجارة الخارجية للأسواق الأوروبية وهيمنة المحروقات على أكثر من 90 بالمائة من الصادرات، وفي هذا السياق، توفّر السوق الإفريقية فرصا واعدة، نظرا للطلب المتزايد على المنتجات الصناعية والغذائية ومواد البناء.
وأشار محدثنا إلى أنّ ضعف التجارة البينية الإفريقية، التي لا تتجاوز حاليا بين 15 و21 بالمائة، مقارنة بأكثر من 60 بالمائة في آسيا، يعكس حجم الإمكانات غير المستغلة، غير أنّ تفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة، من شأنه أن يرفع المبادلات داخل القارة بنسبة تصل إلى 45 بالمائة بحلول 2045، مع زيادات معتبرة في الصادرات الإفريقية قد تبلغ 81 بالمائة، بحسب بعض التقديرات. كما أبرز أنّ الجزائر حقّقت تطورا في صادراتها، التي بلغت نحو 48.2 مليار دولار في 2024 مقارنة بـ35.6 مليار دولار في 2019، إلا أنّ حضورها داخل السوق الإفريقية لا يزال محدودا، وهو ما يستدعي توجيه جزء أكبر من هذه الصادرات نحو القارة، مستفيدة من تسهيل الإجراءات التجارية وإزالة الحواجز الجمركية.
وأوضح قاشي أنّ خصوصية التجارة البينية الإفريقية التي ترتكز بنسبة تقارب 46 بالمائة على المنتجات المصنّعة، تتماشى مع توجّه الجزائر نحو تطوير الصناعات التحويلية، مثل مواد البناء والصناعات الغذائية والمنتجات الكيماوية، ما يمنح المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة فرصا حقيقية لتوسيع نشاطها إقليميا وجعل التصدير نحو إفريقيا ركيزة أساسية لتنويع الاقتصاد.
وفي هذا الإطار، شدّد محدثنا على أهمية المعارض الاقتصادية كأداة عملية لدخول الأسواق الإفريقية، على غرار المعرض الإفريقي للتجارة البينية، الذي أصبح منصة استراتيجية لربط المنتجين بالمستوردين وتعزيز الشراكات، كما أنّ احتضان الجزائر لمثل هذه التظاهرات يعزّز موقعها كمحور لوجيستي وتجاري في شمال إفريقيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط أوروبا بعمق القارة.
وأضاف أنّ الاستفادة من هذه الفرص تحتاج إلى دعم فعلي للمؤسّسات، خاصة عبر تحسين جودة المنتجات وجعلها مناسبة لأسواق إفريقيا، مع تسهيل إجراءات التصدير وتطوير خدمات النقل، كما أكّد أنّ تقوية حضور الجزائر في هذه التظاهرات يمرّ عبر بناء شراكات مع متعاملين أفارقة، ما يفتح فرصا جديدة للاستثمار ويساهم في تنويع الاقتصاد تدريجيا.
ومن جانب آخر، لفت الخبير إلى أنّ التحولات الرقمية المرتبطة بالاتفاقية، خاصة نظام الدفع والتسوية الإفريقي، من شأنها تسهيل المبادلات التجارية بالعملات المحلية وتقليص تكاليف المعاملات، ما يعزّز تنافسية المنتجات الجزائرية ويفتح آفاقا جديدة أمام المؤسّسات الناشئة.
وعرّج قاشي – في أثناء حديثه – على التحديات المطروحة، وعلى رأسها ضعف البنية التحتية اللوجيستية وتعقيدات النقل والتخليص الجمركي، ما يستدعي تسريع الاستثمارات في الموانئ والطرق وسلاسل الإمداد، إلى جانب مواصلة الإصلاحات الاقتصادية، كما شدّد على ضرورة مرافقة المؤسّسات الناشئة عبر تسهيلات تمويلية وتكوين متخصّص لضمان استدامة مشاريعها وتعزيز قدرتها على الابتكار، وقال إنّ الانخراط في منطقة التجارة الحرة يتطلب استراتيجية واضحة تقوم على دعم الإنتاج الوطني، تحسين الجودة، وتبني سياسة تصدير هجومية، بما يجعل «صنع في الجزائر» علامة تنافسية داخل السوق الإفريقية، ويحول هذه الفرصة إلى مكاسب اقتصادية فعلية.
وأكّد عبد النور قاشي، أنّ الجزائر تملك اليوم فرصة حقيقية لتعزيز حضورها بالسوق الإفريقية والاستفادة من الإمكانات الكبيرة، التي تتيحها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وأوضح أنّ تحقيق ذلك ممكن من خلال دعم الإنتاج الوطني وتحسين جودته، إلى جانب تسهيل التصدير وتشجيع المؤسّسات على التوجّه نحو إفريقيا.





