الجزائر ونجامينا تصوغان معادلة استقرار جديدة في إفريقيا
معادلة «رابح-رابح».. ضمانة الاندماج الاقتصادي الإفريقي
أكّد المحلّل السياسي مخلوف وديع أنّ زيارة الرئيس التشادي، محمد إدريس ديبي، إلى الجزائر ولقاءه برئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، تندرج ضمن إعادة رسم ملامح التعاون الإقليمي في منطقة الساحل الإفريقي، على أسس جديدة تتجاوز البعد التقليدي الضيق للأمن، نحو رؤية أشمل تربط بين الاستقرار والتنمية والاندماج الاقتصادي.
أوضح مخلوف في تصريح لـ»الشعب» أنّ الزيارة لا يمكن التعامل معها كحدث دبلوماسي عابر، فهي مؤشّر على مرحلة جديدة من إعادة تموقع الفاعلين في منطقة الساحل، في ظل واقع إقليمي يتّسم بتداخل الأزمات الأمنية مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وتنامي الحاجة إلى مقاربات أكثر شمولا وواقعية.
في السياق، يبرز وديع وجود مقاربتين أساسيتين في إدارة قضايا الساحل، المقاربة الأولى ذات طابع أمني صرف، تركّز على المعالجة العسكرية والظرفية للأزمات، وغالبا ما ترتبط – وفق محدثنا – بتوازنات خارجية ومصالح قوى لا تعكس أولويات شعوب المنطقة، وهو ما يجعل نتائجها محدودة الأثر على المدى الطويل، بل وأحيانا غير قادرة على معالجة جذور عدم الاستقرار.
أمّا المقاربة الثانية التي تعتبر الجزائر من أبرز الدول الدافعة لها، فتقوم على ثنائية الأمن والتنمية، حيث لا يُنظر إلى الاستقرار كمسألة أمنية فقط، بل كمنظومة متكاملة تشمل الاستثمار في البنى التحتية، وتحفيز التنمية الاقتصادية، وتعزيز التكامل بين دول القارة، وهي مقاربة بدأت تتجسّد تدريجيا في علاقات الجزائر مع عدد من دول الجوار، على غرار النيجر وموريتانيا وتشاد، في إطار رؤية إفريقية-إفريقية تقوم على التعاون المتوازن.
وفي هذا الإطار، تأتي زيارة الرئيس التشادي إلى الجزائر لتكرّس هذا التوجه، خصوصا في ظل التوقيع على 28 اتفاقية ومذكّرة تفاهم بين البلدين، وهو رقم يعكس – وفق محدثنا – إرادة سياسية واضحة للانتقال من مرحلة التنسيق إلى مرحلة الشراكة الفعلية متعدّدة الأبعاد، تشمل الأمن، الاقتصاد، التعليم والتكوين، إضافة إلى مشاريع البنية التحتية.
وأكّد المتحدث أنّ أحد أبرز أبعاد هذه الزيارة يتمثل في البعد اللوجستي، خاصة من خلال زيارة الوفد التشادي إلى ميناء جن جن بولاية جيجل، وهو أحد الموانئ الاستراتيجية في الجزائر، وتحمل هذه الزيارة دلالات واضحة حول توجّه الجزائر نحو ترسيخ دورها كمنصة لوجستية إقليمية قادرة على ربط شمال إفريقيا بعمقها الساحلي والإفريقي، بما يفتح آفاقا جديدة أمام الدول الحبيسة مثل تشاد.
فهذا البلد – يوضّح وديع – يعاني من تحديات بنيوية مرتبطة بغياب منفذ بحري، ما ينعكس على كلفة التجارة الخارجية ويحدّ من قدراته الاقتصادية، ومن هنا، فإنّ مشروع ربط الموانئ الجزائرية بشبكات نقل برية وسككية تمتد نحو العمق الإفريقي، يشكّل فرصة استراتيجية لإعادة صياغة مسارات التجارة في المنطقة، وتحقيق اندماج اقتصادي فعلي بين دول الساحل وشمال إفريقيا.
ولقد أشار المحلّل إلى وجود تحديات مرتبطة بالسياق الجيوسياسي، حيث تعمل بعض القوى الإقليمية والدولية على التأثير في مسارات التعاون الإفريقي، عبر طرح مبادرات بديلة لا تستند دائما إلى رؤية تنموية حقيقية، بقدر ما ترتبط بحسابات نفوذ ومصالح استراتيجية، وهو ما يجعل بعضها غير قابل للتطبيق أو الاستمرار على المدى البعيد.
في المقابل، ترى الجزائر أنّ مستقبل المنطقة يجب أن يُبنى على منطق التكامل والشراكة المتوازنة، وفق ما يُعرف بمعادلة «رابح-رابح»، التي تقوم على تبادل المنافع بين الدول دون إقصاء أو تبعية، وهي مقاربة تتماشى مع أجندة الاتحاد الإفريقي 2063، التي تدعو إلى بناء قارة موحّدة اقتصاديا ومندمجة تنمويا، من خلال تحرير حركة السلع وتعزيز البنى التحتية العابرة للحدود.
ويعتبر مخلوف وديع أنّ ما يميّز المقاربة الجزائرية هو أنها لا تقتصر على البعد السياسي أو الأمني، بل تمتد إلى رؤية اقتصادية استراتيجية تسعى إلى تحويل الجزائر إلى جسر لوجستي بين المتوسّط وعمق إفريقيا، وهو ما بدأت ملامحه تتّضح من خلال مشاريع ربط الموانئ وخطوط النقل الكبرى.
وفي هذا السياق، تشكّل زيارة ميناء جن جن نقطة رمزية تعكس هذا التوجه، حيث يجري التفكير في إعادة توظيف القدرات المينائية الجزائرية لتكون بوابة تجارية لدول الساحل، ما من شأنه تعزيز تنافسية اقتصاداتها وإدماجها بشكل أكبر في الأسواق الإقليمية والدولية.
ولفت لمحلّل السياسي مخلوف وديع إلى أنّ ما يجري اليوم، بين الجزائر وتشاد ليس مجرّد تعاون ثنائي، بل هو جزء من إعادة تشكيل أوسع لمنطقة الساحل، تقوم على إرساء قواعد جديدة للأمن والتنمية، بعيدا عن منطق الوصاية أو التدخّلات الخارجية، وبما يعزّز مفهوم «الأمن الإفريقي-الإفريقي» الذي يشكّل نقطة تحول استراتيجية في مستقبل الاستقرار الإقليمي والتنمية في القارة الإفريقية.


