تفطّن ميخائيل باختين – في أطروحته للدكتوراه – أن فرانسوا رابلي لم يكن روائيا يسرد الحكايا للإمتاع فحسب، إنما كان الوريث الشرعي والمنظر الأكبر لتقليد شعبي ضارب في القدم، ممتد من الطقوس البدائية وصولا إلى الكرنفالات الوسيطة، فقد تمكّن رابلي – من خلال أدبه – أن يقيم قطيعة معرفية بين “الجدية الرسمية” التي تتبناها السلطات الزمنية والروحية لتكريس الاستقرار والجمود، و«الضحك الشعبي” الذي يحتفي بالتغير والصيرورة، ليحوّل “الضحك” إلى أداة نقدية وجودية تهدم الأطر الجامدة، بعد أن ظل ـ على مدى التاريخ – مجرد رد فعل فيزيولوجي..
وسجّل باختين أن “الضحك الشعبي” تمثيل لرؤية كونية كاملة ترفض الانغلاق الفكري والميتافيزيقي، وتنظر إلى الوجود على أنه عملية إبداعية مستمرة، فالعالم ـ كما رآه رابلي – ليس معطى نهائيا ولا قدرا محتوما، إنما هو مادة خام قابلة للتشكيل الدائم، حيث تمنح ثقافة الضحك للإنسان القدرة على إعادة صياغة واقعه بعيدا عن القوالب الجاهزة التي فرضتها المؤسسات الدينية والإقطاعية لقرون طويلة.
في هذا السياق، يبدو “الضحك الكرنفالي” قوة تحررية تكسر “الصمت المهيب”، إذ يرى باختين أن الجدية الرسمية كانت دائما مرتبطة بالخوف والترهيب والمنع، بينما يمثل الضحك انتصارا حيويا على هذا الخوف، ما ينتهي به إلى القول إن فلسفة رابلي تقوم على أن الحقيقة لا توجد في الجمود ولا في الكلمات المطلقة، إنما تتجلى في الحركة الدؤوبة وفي التفاعل الحي بين البشر في الساحات العامة، حيث لا سيادة إلا للمرح والنسبية.
ويشدّد باختين على أن هذا الضحك يتجاوز الهجاء الفردي الضيق؛ فهو فعل جماعي يربط الفرد بالجسد الشعبي العظيم، ما يجعل العالم يبدو في صورة “مضحكة”، لكنها صورة واعية بذاتها، لتتحوّل إلى وعي كوني يجعل أدب رابلي عصيا على التدجين، بحكم أنه لا يهاجم أشخاصا معينين، بقدر ما يهاجم مبدأي “الثبات” و«النهائية” اللذين تحاول الأيديولوجيات الرسمية فرضهما على عفوية الحياة وتدفقها.
إن انحياز رابلي للضحك الشعبي، هو – في جوهره – انحياز للمستقبل، ولما لم يكتمل بعد، فعلى عكس الجدية الرسمية التي تنظر دائما إلى الماضي لتقديسه، يتطلّع الضحك الكرنفالي إلى الأمام، وفي هذا الفارق تبرز عبقرية رابلي الذي لم يكتفِ بنقد عصره، إنما أسس له من خلال “الضحك الشعبي” أفقا إنسانيا جديدا يرى في “العدم الرسمي” ولادة جديدة، وفي “الفوضى المرحة” نظاما أسمى يقوم على الحرية والتحلّل من كل القيود الدوغمائية.
ثنائيــــة العــــالم وقانـــــون الكرنفـــــــال
يعتبر باختين الكرنفال “حياة ثانية” موازية للحياة الرسمية، فهو يمثل فضاء زمنيا ومكانيا تذوب فيه صرامة العيش اليومي، وتسقط التراتبيات الاجتماعية والحدود التقليدية التي تفصل بين “الممثل” و«المتفرج”؛ فالكرنفال لا يعرف المشاهد السلبي، لأن الجميع يشاركون وينخرطون في صيرورة أفعاله، ما يجعل الكرنفال واقعا معيشا يتجاوز كونه مجرد احتفال عابر، ليصبح نمطا وجوديا مغايرا يمنح الإنسان فرصة التحرّر من أعباء هويته الرسمية والوظيفية.
في هذا الفضاء الفريد، لا يُؤدى الكرنفال مثل عرض مسرحي تقليدي يفصله “جدار رابع” أو خشبة عن الجمهور، إنما يتحوّل إلى واقع مؤقت يكسر رتابة الزمن الخطي، ذلك أن غياب المنصة/الركح، يعني تلاحم الأجساد والأفكار في بوتقة واحدة، فتتلاشى المسافات الفاصلة بين الذوات.. بين الفن والحياة، ليكون الكرنفال تجربة وجودية عميقة، يختبر فيها الفرد ماهيته الإنسانية الخام، بعيدا عن أقنعة التبجيل المصطنعة أو رموز الرهبنة الجامدة.
يخضع هذا العالم لسيادة “قانون الكرنفال”، وهو قانون غير مكتوب، غير أنه محسوس، يقوم على ركيزتي الحرية والمساواة المطلقة، ما يجعل فضاءه مساحة تجمع الملك بالصعلوك، والعالم بالبسيط، في اتصال حر وحميمي، يُعد مستحيلا في الحياة العادية المحكومة بالطبقية والقيود الإقطاعية.
وقد يكون واضحا أن المساواة هنا لا يقصد منها إحداث الفوضى، فهي تصطنع فضاء ديمقراطيا بدائيا يتيح للحقائق الإنسانية المكبوتة أن تعبر عن نفسها بطلاقة، فتتحوّل الساحة العامة إلى مسرح لتبادل المشاعر والأفكار بلا رقابة أو خوف.
التلاحم الجسدي والروحي ـ إذن – يخلق نوعا من “الأنسنة المادية” التي تذيب الاغتراب الاجتماعي وتجمع البشر في اتصال حي ومباشر، وبدلا من العزلة التي تفرضها الوظائف والألقاب، يجد الإنسان نفسه في حالة “تلامس” مع الآخرين، فالجسد الكرنفالي جماعي ينمو ويتجدّد باستمرار، ما يخلق تجربة حسية ملموسة، يشعر فيها الفرد بقيمته ككائن بشري ضمن مجموع، فتتولد طاقة إيجابية قادرة على تحطيم جدران الصمت والاغتراب التي تبنيها المؤسسات الرسمية.
إن الكرنفال عند باختين يمثل اليوتوبيا المحققة زمنيا، فهو يدمج النموذج الشعبي في الواقع المادي.. الكرنفال هو اللحظة التي يتوقف فيها الزمن الرسمي ليسمح ببروز “الزمن الإنساني” الخالص، المحتفي بالبدايات والتحولات.. وهو المفتاح لفهم أدب فرانسوا رابلي، كونه لم يكتب نصوصا ليقرأها الناس بجدية باردة، إنما صاغ عوالم تضج بحيوية الساحات العامة، داعيا القارئ إلى الانخراط في “كرنفالية” النص واختبار حرية الوجود في أبهى صورها.
الضحــــــــــــك المتنــــــــــــاقض
يؤكد باختين أن جوهر الإبداع الرابلي وسر قوته يكمن في مفهوم “الضحك المتناقض”، وهو ضحك يتجاوز الوظيفة الكوميدية السطحية ليكون فعلا وجوديا عميقا.. إنه ضحك شامل وجماعي، لا يصدر عن فرد يراقب من بعيد، فهو ملك للشعب بأسره في الساحة العامة.. إنه ضحك يسخر من المنظومة الكونية بكاملها، بما في ذلك الضاحكين أنفسهم، فهم لا يعزلون ذواتهم عن موضوع السخرية، بحكم أنهم يدركون جزئيتهم من هذا العالم المتغير والناقص الذي يستحق الاحتفاء بضحكته.
ويرى باختين أن هذا النوع من الضحك لا يكتفي بالهدم المحض أو السخرية السلبية كما هي حال السخرية الحديثة؛ فالسخرية “الخالصة” غالبا ما تضع حدودا بين الساخر والضحية، مما يحوّل الفكاهة إلى أداة إقصاء.. أما الضحك الرابلي فهو فعل طقسي يجمع ببراعة بين النفي والإثبات، وبين الهدم والبناء في آن واحد.. إنه الضحك الذي يسقط التيجان ليضع تيجان اللعب، ويحطم القداسة ليخلق حيوية جديدة، فهو لا ينهي الأشياء إلا ليعيد صياغتها ضمن دورة الحياة الكبرى.
ويتجلى هذا التناقض الخلاق في استعارة “الدفن والولادة”؛ فحين يسخر رابلي من القيم القديمة والأنظمة المتآكلة، فإنه يقوم بـ«دفنها” رمزيا في تراب الضحك الخصب، دون أن يقصد إلى إفنائها النهائي، فهو يريد لها أن “تولد” من جديد بصورة أكثر نضارة وحيوية، ما يوضح أن الضحك المقصود هو المعادل الفني لدورة الفصول، أو لعملية التحول العضوي، فالمقتضى هو زوال القديم كي يفسح المجال للجديد، في عملية “تطهير” كرنفالية ترفض الجمود والموت المعنوي الذي تفرضه الجدية المطلقة.
ويجسد أدب رابلي استمرارية الحياة وتجدّدها اللامتناهي من خلال هذا التوازن الدقيق بين القهقهة الساخرة والبهجة الوجودية، فالضحك المتناقض هو اعتراف بأن الحقيقة ليست ثابتة، بحكم كونها “صيرورة” دائمة، وبأن النقص البشري ليس عيبا، بحكم أنه دافع للتجديد. وبهذا، يصبح الجسد في أعمال رابلي، بضحكه ونهمه وحركته، رمزا لهذا التجدّد الكوني الذي لا يعرف التوقف، حيث تذوب الحدود بين الموت كعتبة للنهاية والموت كرحم للبداية.
ويرى باختين أن استعادة مفهوم الضحك المتناقض هي السبيل الوحيد لفهم رابلي بعيدا عن التفسيرات السطحية التي تحصره في خانة “الهجاء السياسي”، ذلك أن رابلي كتب ليعلمنا أن الضحك هو الضامن الوحيد لبقاء الروح الإنساني حرا ومنفتحا على المستقبل.. إنه الضحك الذي يحررنا من وطأة “الحقائق النهائية” ويمنحنا الشجاعة لنعيش الحياة في تجددها الدائم، معانقين تناقضاتها ببهجة كرنفالية لا تنطفئ.
منطـــق الساحـــة العامــة ولسانيــــات التحـــرّر
استمد رابلي قوته الاستثنائية من لغة الساحة العامة.. تلك اللغة الحية التي كانت تضجّ بها أسواق وشوارع عصر النهضة، بعيدا عن الرطانة الأكاديمية أو اللغة الكنسية المتصلبة، فقد نقل رابلي “فولكلور الساحة” إلى متن النص الأدبي، معتمدا على ما يسميه باختين “منطق العالم المقلوب”، حيث يتمّ تبادل الأدوار بين “العلو” (المتمثل في الروح والفكر والسلطة) و«السفل” (المتمثل في الجسد والمادة والاحتياجات العضوية)، ما رأى فيه إعادة اعتبار للمادة والجسد كأصل للحياة ومنبع لتجددها.
وفي قلب هذا التوجّه، تبرز تقنيات المحاكاة الساخرة والشتائم السوقية كعناصر فنية وظيفية هائلة، فـ«الشتيمة” في سياق الكرنفال الرابلي، تفقد معناها العدواني الشخصي لتصبح فعلا جماعيا يهدف إلى “إنزال” كل ما هو متعالٍ ومنفصل عن الواقع إلى مستوى الأرض الخصبة، ما يعني اعتماد لغة تتسمّ بالصراحة الفجة والحرية المطلقة، تعمل على تعرية الزيف الذي يحيط بالألقاب والمناصب، محولة هيبة السلطة إلى مادة للضحك والتحلل ثم إعادة البناء.
ويفسر باختين هذا التوجّه اللغوي الصادم بأنه “فعل مقاومة لغوية” بامتياز، موجه ضد القوالب الأيديولوجية الجاهزة والدوغمائية التي حاولت قولبة الوعي البشري؛ فمن خلال استخدام لغة الساحة، استطاع رابلي أن يصطنع منطقة من “التواصل غير الرسمي” التي لا تخضع لرقابة النخب، وتكمن المقاومة في قدرة اللغة على البقاء مرنة ومتعدّدة الأصوات، ما يمنع الحقيقة الرسمية من أن تصبح حقيقة وحيدة ومطلقة، ويفتح الباب أمام نسبية مرحة تحترم تعددية الحياة.
بناء على ذلك، تتحوّل اللغة عند رابلي إلى أداة لخلخلة السلطة الكهنوتية في أعمق مستوياتها، وهي سلطة الرمز والمعنى، من خلال تدمير المسافات الاصطناعية التي تفرضها الأعراف الاجتماعية والسياسية، وينجح رابلي في خلق نوع من “التلامس اللغوي” الحميم بين البشر. فالكلمات لم تعد جدرانا تفصل بين الطبقات، إنما صارت جسورا للتواصل الحر، حيث يسقط “البروتوكول” اللفظي وتبرز بدلا منه صراحة الجسد وصدق العفوية الشعبية، فيتسع النص بسعة ساحة عامة كبرى تجمع الناس دون استثناء.
إن عبقرية رابلي في استخدام لغة الساحة العامة، تكمن في قدرته على تحويل “اللامرئي” ثقافيا إلى مركز للوعي الأدبي، فقد أثبت أن اللغة الشعبية، بما تحمله من شتائم ومحاكاة ساخرة وقلب للمفاهيم، هي المستودع الحقيقي للحرية الإنسانية، ثم إن رابلي – من خلال هذا المنطق – لم يكتفِ بنقد الكهنوتية (وهو نفسه كان كاهنا وطبيبا)، إنما فكك بنيتها العميقة عبر اللغة، مؤكدا أن تدمير المسافات الاصطناعية بين الناس هو الخطوة الأولى نحو بناء إنسانية أكثر حيوية وصدقا.. إنسانية لا تخشى الضحك من نفسها أو قلب عالمها رأسا على عقب بحثا عن حقيقتها.
استعصــــــاء الفهــــــم الحديـــــــث
يخلص باختين إلى أن الصعوبة البالغة التي واجهها القراء والنقاد في فهم رابلي طوال العصور الحديثة، لا تعود إلى غموض في لغته، فالأمر متعلق بفقدان “المفتاح” الثقافي والوجودي الذي نهل منه هذا الأديب، فبينما اتجه الأدب البرجوازي في القرون الأخيرة نحو “الفردية” المنغلقة والسخرية الأحادية السلبية، ظلّ رابلي مرتبطا عضويا بالجذور الكرنفالية التي ترفض النهايات المطلقة واليقينيات المتصلبة.. لقد حدث انقطاع في الذاكرة الثقافية جعل من “الضحك الكوني” لغة منسية، ما أدى إلى تقزيم أعمال رابلي وحصرها في خانة الهجاء السياسي الضيق أو الفكاهة السطحية المبتذلة.إن استعصاء رابلي على الفهم يكمن في التباين الجذري بين ذوقنا الأدبي الحديث الذي يميل إلى الفصل بين الجد والهزل، وبين الروح الكرنفالية التي يمثلها رابلي، حيث يمتزج الموت بالولادة والمديح بالهجاء، ففي العصور الحديثة، أصبح الضحك وظيفة ثانوية أو أداة للنقد الفردي المنعزل، في حين أن عمل رابلي يظل لغزا لا يمكن فكّ شيفرته إلا بالعودة إلى ذلك “الروح الشعبي” الجماعي.. إنه الروح الذي لا يرى في الضحك إلا وسيلة كبرى للتحرّر من عبء الحقيقة الواحدة الصارمة، وقوة قادرة على تفتيت كل ادعاء بالأزلية أو الكمال الذي تحاول النظم الأيديولوجية فرضه على الإنسان.يؤكد باختين أن رابلي يطالبنا بإعادة صياغة شاملة لمفاهيمنا الفنية والأيديولوجية لكي نتمكن من دخول عالمه؛ فهو يدعونا لنبذ “الرسمية” والغطرسة الفكرية، والانغماس مجددا في “تيار الحياة” المتدفق الذي لا يعرف التوقف، وعلى هذا، تكون العودة إلى رابلي عودة إلى الواقع الشعبي الذي قهر الخوف عبر العصور بالضحك، وتكون اعترافا بأن الحقيقة الحيوية تكمن في النسبية المرحة وفي قدرة الإنسان على الضحك من نفسه ومن عالمه، وبدون الانفتاح على “اليوتوبيا الكرنفالية”، سيظل رابلي صوتا غريبا في غابة الأدب العالمي، رغم أنه في الحقيقة الأكثر أصالة للإنسانية في سعيها الدائم نحو الحرية والتجدّد.





