مقاربة صارمة لحماية العملة الصعبة ومقدّرات الجزائريين
منع تصدير المنتجــــــــات الاستهلاكية المستوردة.. حماية السوق الوطنيـــــة
العيـــــاشــــــي لـ«الشعب»: الانتقـــــــال من الرّدع الأخلاقي إلى الرّدع القانوني يحصّن الاقتصـــــــاد
يواصل رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، التأكيد على متابعته الدقيقة لتفاصيل الاقتصاد الوطني، خاصة في الملفات المرتبطة بوفرة المواد الاستهلاكية وحماية السوق الداخلية من الممارسات التي لا تقدّم قيمة مضافة حقيقية، حيث أمر بمنع تصدير كل المنتجات الاستهلاكية التي تستوردها الجزائر، لاسيما المواد الغذائية الأساسية، على غرار السكر والعجائن والزيت والسميد وكل مشتقات القمح.
القرار الذي اتخذه رئيس الجمهورية، خلال ترؤّسه، اجتماعا حول التصدير والاستيراد، أمس الأول، يندرج بحسب مراقبين، ضمن توجّه واضح يرمي إلى ضمان أن تكون المواد التي تكلف الخزينة العمومية بالعملة الصعبة موجّهة للمستهلك الجزائري أولا، وليس لإعادة تصديرها ضمن عمليات تجارية لا تخدم الاقتصاد الوطني في جوهرها.
يحمل القرار في خلفيته قراءة اقتصادية واضحة، مفادها أنّ التصدير الحقيقي لا يقوم على إعادة تسويق منتجات مستوردة، أو إجراء تعديلات محدودة على شكلها أو تغليفها ثمّ إخراجها في صورة صادرات؛ لأنّ مثل هذه العمليات لا تبني صناعة، ولا توسّع قاعدة الإنتاج، ولا تخلق قيمة مضافة فعلية داخل البلاد، بل قد تتحوّل إلى أسلوب للرّبح السهل على حساب السوق الوطنية والعملة الصعبة، لذلك جاء القرار ليضع حدا فاصلا بين الصّناعي الحقيقي الذي ينتج ويستثمر ويخاطر، ومتعاملين لا يزالون يتحرّكون بذهنية العقد الماضي، حيث يكون النشاط الاقتصادي مبنيا على الحيلة أكثر من بنائه على العمل والإنتاج.
في هذا السياق، سبق لرئيس الجمهورية أن أكّد في أكثر من مناسبة، أنّ «الحيلة في ترك الحيل»، وهي عبارة تختصر جانبا من المقاربة الحالية في التعامل مع بعض الممارسات الاقتصادية التي تحاول الظهور في شكل نشاط صناعي أو تصديري، بينما هي في حقيقتها لا تتجاوز إعادة تدوير سلع مستوردة، دون أن تقدّم إضافة ملموسة للاقتصاد الوطني، ولذلك كلّف الرئيس تبون وزير العدل بإعداد مشروع قانون يجرّم تصدير المواد غير المنتجة محليا، باعتباره عملا تخريبيا للاقتصاد الوطني، بما يعني أنّ الدولة تتّجه إلى نقل هذا الملف من مستوى الملاحظة والتنبيه، إلى مستوى التجريم والعقاب بنصوص قانونية واضحة.
في قراءته لهذا القرار، أكّد الدكتور بورحلة العياشي، المتخصّص في الاقتصاد الكلي، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ الذهنيات الانتهازية يجب أن تنتهي، لأنها لا تبحث عن بناء صناعة حقيقية أو منتج جزائري يعتمد على مواد أولية محلية أو يضيف قيمة داخل سلسلة الإنتاج، إنما تسعى إلى تغيير واجهتها، من الاستيراد المباشر إلى واجهة صناعية شكلية، في حين أنّ النشاط يبقى في جوهره قائما على استيراد مواد أو منتجات لا توجّه للسوق الوطنية ولا تدخل في دورة إنتاج حقيقية، ثم يعاد تصديرها بعد تدخّلات بسيطة لا تبرّر اعتبارها منتجا وطنيا.
وأضاف بورحلة أنّ ما يميّز قرارات مجلس الوزراء الأخير، هو الانتقال من مستوى الحكم الأخلاقي على هذه الممارسات إلى مستوى الرّد القانوني، ففي السابق، كان ينظر إلى مثل هذه الأعمال على أنها غير أخلاقية ومضرّة بالاقتصاد، لكنها لم تكن دائما محاطة بنصوص مباشرة تمنعها وتعاقب عليها بوضوح، أمّا اليوم، فإنّ التوجه نحو تجريم تصدير المواد غير المنتجة محليا، ما يعني أنّ الدولة لم تعد تكتفي بالتحسيس أو الدعوة إلى الالتزام، لأنّ الواقع أثبت – في حالات كثيرة – أنّ التوعية لا تكفي مع عقليات تعوّدت على المال السهل، وترفض بذل الجهد المطلوب لبناء اقتصاد منتج.
إنّ خطورة هذه الممارسات تكمن في أنها تستعمل العملة الصعبة لاستيراد منتجات لا تخدم السوق الداخلية ولا الصناعة الوطنية، ثمّ تعيد إخراجها في صورة صادرات يستفيد منها متعاملون محدودون، بينما تبقى الفائدة العامة شبه منعدمة، فالمستفيد الحقيقي في هذه الحالة هو الصناعي المزيّف، أمّا الاقتصاد الوطني فلا يكسب قاعدة إنتاجية جديدة، ولا تكنولوجيا، ولا مناصب شغل ذات أثر فعلي، ولا قدرة تنافسية مبنية على منتج جزائري حقيقي.
إنّ المنتجات التي تستورد في شكلها النهائي أو شبه النهائي، يجب أن تكون موجّهة أساسا للمستهلك الجزائري، خاصة عندما يتعلّق الأمر بمواد غذائية أساسية مرتبطة بالقدرة الشرائية وباستقرار السوق.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ هذه القرارات تنسجم مع مسار أوسع تعمل عليه الجزائر خلال السنوات الأخيرة، يقوم على إحلال الواردات، وبناء قاعدة صناعية حقيقية، وتوسيع الإنتاج المحلي في قطاعات متعدّدة، منها الصناعات الغذائية والمناجم والبتروكيمياء والصناعات التحويلية، وبالنسبة للاقتصاد الوطني فإنّ بلوغ ناتج محلي إجمالي يناهز 400 مليار دولار مع نهاية 2027 يبقى مرتبطا بقدرة الدولة على حماية المنتج الحقيقي، ومواجهة اقتصاد الحيل، وربط التصدير بالإنتاج الفعلي لا بالمناورة التجارية.




