ليس كل الأسر حكاية تُروى، فبعضه وجعٌ يتكلم، وعمرٌ يُسرق على مهل، وحياةٌ تُؤجَّل بلا موعد.
حين يُعتقل الإنسان في ربيع عمره، في الثامنة عشرة وأربعة أشهر فقط، لا يُسجن جسده فحسب، بل يُصادر مستقبله، وتُختطف أحلامه، وتُعلّق سنوات عمره على بوابة زنزانة لا تعرف الرحمة.
هناك، خلف أسوار سجن نفحة، يقف رجل في الأربعين من عمره، أو دخل عامه الحادي والأربعين، لكنه في الحقيقة لم يعش من حياته شيئًا كما يجب أن يُعاش. لم يعرف استقرارًا، ولا بيتًا، ولا عائلة، ولا دفء أيامٍ طبيعية. كل ما عرفه هو القيود، والتحقيق، والانتظار.
ورغم ذلك… لم ينكسر.
داخل الأسر، صنع من القيد منبرًا، ومن الجدران مدرسة.
درس، وتعلّم، وأكمل البكالوريوس، وواصل طريقه نحو الماجستير، وتسلّح بالعلم كما يتسلّح المناضل بالصبر. لم يكتفِ بنفسه، بل مدّ يده لإخوانه الأسرى، يساندهم، يعلّمهم، ويخفف عنهم ثقل الأيام.
لكن خارج القضبان… هناك حكاية أخرى من الألم.
عائلةٌ تنتظر زيارة قد لا تأتي.
طلباتٌ تُقدَّم عبر المحامين، وتُرفض بلا سبب سوى “المنع الأمني”.
أبٌ أنهكه المرض، يقاوم السرطان، وقلبه معلق بابنه الذي لا يستطيع أن يراه أو يطمئن عليه.
وراتبٌ قُطع بعد أكثر من عشرين عامًا من الأسر، وكأن المعاناة لا تكفي وحدها.
أيُّ قسوةٍ هذه التي تكتمل فيها كل دوائر الألم؟
أسيرٌ في الداخل، وعائلةٌ في الخارج تعيش قلقًا لا يهدأ، وخوفًا من الغد لا يرحم.
إنها ليست مجرد قصة فرد…
بل حكاية جيلٍ كاملٍ من الأسرى، الذين كبروا خلف القضبان، بينما شاخت أمهاتهم على بوابات السجون، وذبلت أعمارهم في طوابير الانتظار.
ومع كل هذا، يبقى الأمل حاضرًا…
ليس أملًا ساذجًا، بل إيمانٌ عميق بأن الحرية حق، وأن الليل مهما طال لا بد أن ينكسر، وأن هؤلاء الرجال لم يُخلقوا ليبقوا خلف القضبان إلى الأبد.
هؤلاء ليسوا أرقامًا في سجلات…
هؤلاء أعمارٌ معلّقة، وقلوبٌ نابضة بالصبر، وأرواحٌ ترفض الهزيمة.
وفي حضرة هذا الصمود، لا نملك إلا أن ننحني إجلالًا،
ونقولها بصدقٍ لا يتزعزع:
الحرية له… ولكل أسرانا.
والفرج قريب… مهما طال الطريق.





