تراثنــــــــا رافــــــــــــد حــــــــــــي للإبــــــــــــداع ومصـــــدر للإلهــــــــام المعــــــاصـــــــر
يتواصل بالمتحف العمومي الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط، بقصر مصطفى باشا، معرض «الزخرفة بين المعمار والحرفة»، في إطار فعاليات شهر التراث الممتد من 18 أفريل إلى 18 ماي المقبل، تحت شعار «تراثنا حضارتنا»، مقدما للزوار تجربة فنية تغوص في عمق أحد أبرز مكونات الهوية الجمالية الجزائرية.
ويأتي هذا الموعد الثقافي ليطرح الزخرفة بوصفها لغة بصرية متكاملة، لا تقتصر على بعدها التزييني، بل تتجاوز ذلك لتلامس جوهر البناء الحضاري، من خلال تفاعلها مع الفضاء المعماري والحرف التقليدية في آن واحد.
وفي هذا السياق، أكدت محافظة التراث الثقافي بالمتحف، ربيعة العارف، في تصريح لـ»الشعب»، أن «المعرض يهدف إلى تقديم تجربة بصرية حسية تتجاوز مجرد العرض إلى التأمل، حيث تنفتح الزخرفة على بعدها الفلسفي القائم على مبدأي التكرار واللانهائية». يستهل المعرض مساره باستحضار التجربة المعمارية التقليدية، مستلهما تفاصيله من قصر مصطفى باشا العريق بقصبة الجزائر، باعتباره نموذجا حيا لثراء الفن الزخرفي المحلي، فداخل هذا الفضاء، لا تُقرأ الزخرفة كعنصر ثانوي، بل كنظام بصري متكامل يضبط إيقاع المكان ويمنحه حيوية خاصة.
وفي هذا الإطار، توضح العارف أن فريق العمل سعى إلى «التقاط تلك التفاصيل الزخرفية الدقيقة التي قد يغفل عنها الزائر في خضم المشهد العام، ومنحها حضورا جديدا داخل اللوحات، يكشف جمالها الخفي ويعيد الاعتبار لدقتها»، كما يسلّط المعرض الضوء على المواد التي شكلت دعائم هذا الفن، من الزليج إلى الجبس المنقوش، وصولا إلى الخشب المنحوت، حيث تتكامل هذه العناصر ضمن تصور جمالي يجعل من الزخرفة مكوّنا بنيويا مندمجا في المعمار.
ويبرز كذلك التفاعل الدقيق بين الشكل والضوء، تقول المتحدثة «إذ تكشف الأسطح المزخرفة عن أبعادها الجمالية عبر الظلال المتحركة، ما يمنح الفضاء ديناميكية متجددة تتغير بتغير الإضاءة، لا يغيب البعد الرمزي عن هذا المسار، إذ تتجسد في الأنماط الهندسية والنباتية مفاهيم عميقة مثل التوازن والانسجام واللانهاية، من خلال تكرار محسوب ودقة في البناء، بما يعكس رؤية فلسفية متجذرة في الثقافة المحلية».
وتضيف العارف في هذا الصدد أن المعرض يسعى إلى «بناء جسر بصري وفكري بين المعمار والحرفة، بين الماضي والحاضر، مقدما للزائر قراءة جديدة للزخرفة باعتبارها لغة حيّة ومتجددة»، ويمتد هذا التصور إلى الحرف التقليدية، حيث تنتقل الزخرفة من جدران المعمار إلى يد الحرفي، لتتجلى في الخشب والخزف والنسيج والمعدن، محافظة على جوهرها القائم على الإيقاع والتناغم رغم اختلاف المواد والوظائف.
وتؤكد المتحدثة أن هذا الانتقال «لا يمثل قطيعة، بل هو فعل استمرارية وتحول، حيث يطوّر الحرفي الزخرفة ويعيد تشكيلها وفق مواد ووظائف جديدة، دون أن يتخلى عن هويتها الأصيلة»، وقالت «يوفر المعرض فضاء تفاعليا يتيح للزوار، خاصة فئة الشباب، خوض تجربة مباشرة من خلال إعادة تركيب الأنماط الزخرفية ورسمها، ما يكشف عن البعد الهندسي الدقيق لهذا الفن، ويقربه من الأجيال الجديدة بأسلوب مبسط وتفاعلي».
ولتعزيز هذا البعد البيداغوجي، كشفت أيضا ذات المتحدثة، عن إعداد فيديو تكويني خاص بموضوع المعرض، يتناول «الزخرفة بين الحرفة والمعمار»، ويمتد على مدار ست دقائق، بهدف تقديم قراءة مبسطة ومركزة تساعد الزائر على فهم مختلف أبعاد هذا الفن ومسارات تحوله بين الفضاء المعماري والممارسة الحرفية.
ويختتم هذا الحدث الثقافي رسالته بالتأكيد على أهمية صون التراث الزخرفي الجزائري، باعتباره رافدا حيا للإبداع ومصدرا متجددا للإلهام، قادرا على مواكبة التحولات المعاصرة دون التفريط في عمقه التاريخي، ومساهما في ترسيخ الوعي بقيمة الموروث الثقافي في بناء الحاضر واستشراف المستقبل.







