احتضنت المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية الجزائر «أمقران أرزقي»، أمس الأول، لقاء تأبينيا تكريما لروح الأديب والطبيب الراحل محمود عروة، في أجواء امتزج فيها الحزن بالتقدير، واستُحضرت خلالها محطات من مسيرة فكرية وإنسانية تركت بصمتها في المشهد الثقافي الجزائري.
شكل هذا الموعد الثقافي الذي نشطته الشاعرة فوزية لارادي ممثلة «دار منشورات فيروز للإنتاج الثقافي»، رفقة الأستاذ جودت قسومة، لحظة وفاء بامتياز، حيث تحولت القاعة إلى فضاء يستعيد سيرة رجل جمع بين مهنة الطب ونبض الكتابة، فكان قريبا من الإنسان في تفاصيل حياته اليومية، كما في نصوصه التي عكست عمق التجربة وصدق الإحساس.
وأجمع المتدخلون على أن الراحل كان صوتا إنسانيا حمل قضايا المجتمع، وعبر عنها بلغة تجمع بين البساطة والعمق، وتخلل اللقاء تقديم شهادات حية ومداخلات متنوّعة سلطت الضوء على تجربة الفقيد، حيث استُعيدت ذكرياته ومواقفه الإنسانية والمهنية، وتوقف المشاركون، على رأسهم شقيقته نجاة عروة، إلى جانب الدكتورة طايبي، الأستاذ بن عمارة وآخرين، عند إسهاماته الأدبية والفكرية التي أثرت الساحة الثقافية، مؤكدين خصوصية مساره الذي جمع بين الدقة العلمية والبعد الإبداعي.
وفي لحظة أدبية مؤثرة، قُدمت قراءات مختارة من أعماله، أعادت صوته إلى الحضور، وفتحت نافذة على عالمه الإبداعي الذي ظل وفيا لقيم الإنسان وهمومه، وقد لاقت هذه القراءات تفاعلا لافتا، حيث وجد فيها الحضور امتدادا حيا لروح الراحل، ودليلا على أن الكلمة الصادقة قادرة على مقاومة النسيان.
ويُعد محمود عروة (1956- 2026) طبيبا مختصا في التخدير والإنعاش، كما شغل منصب رئيس الجمعية الجزائرية لتاريخ الطب، وبرز باهتمامه العميق بتاريخ الطب إلى جانب شغفه بالأدب والشعر.
هو ابن الدكتور أحمد عروة، أحد الأسماء البارزة في الثقافة الجزائرية، جمع بدوره بين الطب والفكر والإبداع، ما جعل الراحل يسير على خطى علمية وثقافية راسخة.
وقد ترك الفقيد رصيدا علميا وأدبيا ثريا، من أبرزها ثلاثيته في تاريخ الطب: «معالجة الألم من الطب العربي إلى الطب الحديث»، و»القلب في الطب العربي»، و»ابن رشد الطبيب»، وهي أعمال تُوجت بجائزة «شارل بورتولي» سنة 2015 من أكاديمية مرسيليا للعلوم والآداب والفنون.
كما كتب دراسات متخصصة في تاريخ الطب الإسلامي، من بينها «التخدير والإنعاش في تاريخ الطب الإسلامي»، إلى جانب أعمال أدبية تنوعت بين الشعر والرواية والقصة القصيرة، مثل «نافذة على الأحلام»، «أوريغامي»، و»الطفل الذي لا يبكي أبدا»، وغيرها من النصوص التي عكست حساسيته الإنسانية وعمق رؤيته.
كما نال الراحل تقديرا في المجال الشعري، حيث تُوجت إحدى قصائده بجائزة وطنية في الشعر باللغة الفرنسية سنة 2019، ما يعكس تعدد اهتماماته وقدرته على التنقل بين الحقول المعرفية والإبداعية بسلاسة لافتة.
وتندرج هذه المبادرة ضمن جهود المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية الجزائر «أمقران أرزقي» في تثمين الرموز الثقافية الوطنية، وترسيخ ثقافة الاعتراف والعرفان، من خلال استحضار الأسماء التي أسهمت في بناء الوعي الثقافي، وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة في سياقات حية ومؤثرة.
واختُتم اللقاء بتأكيد أن المبدعين لا يغيبون برحيلهم، بل يواصلون حضورهم عبر ما خلفوه من أثر فكري وإبداعي، لتبقى الكلمة الصادقة، كما جاء على لسان الشاعرة فوزية لارادي «قادرة على العبور ومقاومة الزمن، شاهدة على أصحابها وحافظة لذاكرتهم».





