خيار استراتيجي ضمن أولويات إصلاح المنظومة الصحية ^ تحسين الخدمات وترشيد النفقات.. مصلحة المريض هي العليا ^ مبدأ مجانية العلاج.. ثابت السياسة الصحية الوطنية
يشهد قطاع الصحة توجها نحو تكريس اقتصاد الصحة كخيار استراتيجي، ضمن أولويات إصلاح المنظومة الصحية، في ظل التحولات الاقتصادية والمالية التي باتت بحسب خبراء ومختصين تفرض اعتماد مقاربات جديدة في التسيير والتخطيط، بهدف تحقيق التوازن بين التحكم في النفقات العمومية وضمان جودة الخدمات الصحية، دون المساس بمبدأ مجانية العلاج الذي يظل أحد ثوابت السياسة الصحية الوطنية.
تواصل وزارة الصحة بذل المزيد من الجهود، لمواكبة التحولات الاقتصادية والمالية، عن طريق اعتماد آليات تسيير حديثة قائمة على النجاعة والفعالية، واستخدام الموارد المتاحة، فإصلاح المنظومة الصحية يستدعي – بحسب الخبراء والمختصين – إعادة النظر في طرق التسيير والتخطيط، من خلال إدماج أدوات الاقتصاد الصحي، بما يسمح بتوجيه الإنفاق نحو الأولويات الحقيقية وتحقيق أفضل مردودية ممكنة.
وفي سياق دعم هذا التوجه، تواصل السلطات العمومية تخصيص ميزانية ضخمة لقطاع الصحة، بحيث قدرت ميزانية القطاع في قانون المالية لعام 2026، 1048 مليار دينار، هذا الإنفاق الذي يمثل 6 بالمائة من إجمالي الإنفاق العام، يرفع نصيب الفرد الواحد من التغطية الصحية إلى 167 دولارا سنويا، مما يؤكد استمرار البعد الاجتماعي للدولة رغم التحديات الاقتصادية الراهنة.
غير أن قراءة توزيع هذه الميزانية تبرز في المقابل تحديات تستوجب المراجعة، حيث تستحوذ أجور المستخدمين على حصة الأسد بـ61 بالمائة من إجمالي الميزانية، مقابل 33 بالمائة موجهة للتسيير، في حين لا تتجاوز نفقات الاستثمار 6 بالمائة فقط.
هذا الاختلال، دفع وزارة الصحة إلى تبني مقاربات جديدة تقوم على الحوكمة الرشيدة والرقمنة الشاملة كأدوات للتحكم في النفقات، خاصة وأن الدولة تتحمل وحدها 80 بالمائة من تمويل المؤسسات الصحية بما يفوق 800 مليار دينار سنويا، في حين يساهم الضمان الاجتماعي بنسبة 20 بالمائة فقط، وهو ما يعكس استمرار التزام الدولة بضمان مجانية العلاج والحفاظ على البعد الاجتماعي للقطاع، لكنه يطرح في نفس الوقت تساؤلات حول مدى استدامة هذا النموذج في ظل تزايد الأعباء المالية.
ويجمع المختصون على أن اقتصاد الصحة لم يعد يرتبط فقط بتوفير الاعتمادات المالية، بل أصبح مرتبطا أساسا بكيفية استغلال هذه الموارد وتحويلها إلى خدمات صحية أكثر جودة وفعالية، وعلى هذا الأساس برزت الحاجة إلى الانتقال من منطق التسيير التقليدي إلى منطق المؤسسة الصحية الحديثة التي تقوم على التخطيط، والشفافية، وقياس الأداء، وربط التمويل بالنتائج المحققة.
ومن بين أبرز المحاور التي تفرض نفسها في هذا الإطار، مسألة ترشيد الإنفاق الصحي، حتى لا يظل الإنفاق العمومي بعيدا عن معايير النجاعة، لذلك تتجه الإصلاحات الجديدة نحو اعتماد عقود الأداء والميزانية المبرمجة، وهي آليات حديثة تقوم على تخصيص الموارد المالية وفق الأهداف المحققة ومؤشرات الأداء، بما يضمن استعمالا أكثر عقلانية للموارد المتاحة.
ويرى خبراء الاقتصاد الصحي أن ربط التمويل بالنتائج من شأنه أن يخلق ديناميكية جديدة داخل المؤسسات الصحية، من خلال تشجيعها على تحسين خدماتها، وتطوير قدراتها التنظيمية، والانتقال من ثقافة الإنفاق إلى ثقافة المردودية، وهو تحول بات ضروريا في ظل الضغوط المتزايدة التي تعرفها الأنظمة الصحية عبر العالم.
وفي السياق نفسه، تبرز اللامركزية في التسيير كأحد الخيارات المهمة في إصلاح القطاع، من خلال منح صلاحيات أوسع للمؤسسات الصحية المحلية ومديريات الصحة، بما يسمح باتخاذ قرارات أسرع وأكثر ارتباطا بالاحتياجات الحقيقية للمواطنين في مختلف المناطق.
ويؤكد الخبراء أن تعزيز التسيير المحلي لا يهدف فقط إلى تقريب الخدمات العمومية من المواطن، بل يشكل أيضا وسيلة فعالة لتحسين استغلال الموارد، وتقليص الهدر، وتمكين المؤسسات من وضع أولوياتها وفق خصوصياتها الميدانية، وهو ما ينسجم مع المفهوم الحديث لاقتصاد الصحة القائم على النجاعة والمرونة.وتركز وزارة الصحة على عدة محاور إصلاحية، من بينها تعميم الرقمنة باعتبارها أحد أهم أدوات التحكم في الاقتصاد الصحي، فالتحول الرقمي أصبح ضرورة تنظيمية تسمح بتحسين إدارة المنظومة الصحية من خلال الملف الطبي الإلكتروني الموحد، والرقم التعريفي للمريض، والربط الشبكي بين المؤسسات الصحية، وهي أدوات من شأنها أن تسهل متابعة المسار العلاجي، وتقلص الأخطاء، وتوفر قاعدة بيانات دقيقة تساعد في اتخاذ القرار.وتساهم الرقمنة في تقليص النفقات غير الضرورية من خلال التحكم في استهلاك الأدوية، وتفادي تكرار الفحوصات، وتحسين برمجة المواعيد، وضبط حركة المرضى داخل المؤسسات، وهو ما يجعل التكنولوجيا الحديثة عاملا أساسيا في ترشيد الإنفاق وتحسين جودة الخدمة في آن واحد.
ويرى مختصون أن بناء منظومة صحية ناجعة يقتضي أيضا اعتماد الحوكمة الصحية الرشيدة، التي تقوم على الشفافية في تسيير الموارد، والمساءلة في اتخاذ القرار، والتقييم المستمر للأداء، بما يسمح بتحديد مكامن الخلل وتصحيحها بصورة مستمرة.
وفي هذا السياق، تبرز مبادرة إنشاء لجنة وطنية لتقييم المؤسسات الصحية كخطوة مفصلية نحو تشخيص دقيق لاختلالات القطاع، والانتقال من التسيير التقليدي إلى تسيير قائم على النتائج والمؤشرات، بما يعزز ثقة المواطن في المرفق الصحي.
ويؤكد الخبراء أن اقتصاد الصحة لم يعد مجرد وسيلة للتحكم في المصاريف أو التقشف، بل أصبح اليوم استراتيجية شاملة، تهدف إلى بناء قطاع صحي عقلاني ومنظم، فالإنفاق على الصحة ليس عبئا ماليا يثقل الكاهل، بل استثمار وطني رابح في صحة المواطن، على اعتبار أن تحسين الرعاية الصحية ينعكس مباشرة على التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.





