تعــــــــاون الجامعيــــــين والصناعيـــــين..منظومـــــة متكاملــــة بــــين التمويــــــل والتأطـــــــير ^ تحالــــــف استراتيجـــــي لتحويــــــل الأفكــــــار إلـــى مشاريــــع اقتصاديــة
ـ مختصّون وخبراء على أنّ الجزائر تمتلك منظومة ابتكار متكاملة، تجمع بين التمويل، المرافقة والتأطير، غير أنّ فعاليتها تبقى مرهونة بتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين، والتعريف بالآليات المتاحة، وتبسيط إجراءات الاستفادة منها، وسلّطوا الضوء على نجاح تجارب ميدانية على غرار «الإسمنت الأخضر»، لذلك تبرز الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ ثقافة الشراكة بين الجامعة والمؤسسة، وتحويل الابتكار إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية.
في ندوة نقاش نظّمت على هامش فعاليات الطبعة الـ 28 للصالون الدولي للبناء ومواد البناء والأشغال العمومية «باتيماتيك»، بقصر المعارض الصنوبر البحري بالعاصمة، أكّد مختصّون أن منظومة البحث والابتكار في الجزائر، عرفت خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة، خاصة منذ سنة 2020، تجسّدت في استحداث آليات جديدة وتعزيز دور مختلف الفاعلين، من مؤسسات عمومية وهيئات تمويل، إلى شركات اقتصادية وجامعات، وهو ما دفعهم إلى المطالبة ببناء جسور فعالة بين مختلف مكونات المنظومة الجامعة، ومخابر البحث، والمؤسسة الاقتصادية، والشركات الناشئة بما يسمح بتحويل الأفكار إلى مشاريع حقيقية.
واعتبروا أنّ «العائق الأول» الذي يصطدم به أي حامل مشروع هو التمويل، ليس فقط من حيث توفّره، بل من حيث معرفة مصادره، وآليات الوصول إليه، والجهات التي ينبغي التوجه إليها، وهو ما يستدعي تعزيز التوجيه والإعلام بمختلف الأجهزة التي وضعتها الدولة لدعم المقاولاتية.
أبرز رابح فراقوة رئيس قسم هندسة التسيير في الوكالة الوطنية لتثمين نتائج البحث والتنمية التكنولوجية، أن هذه الأخيرة لعبت دورا محوريا، رغم التحولات التي شهدها النظام البيئي للابتكار، فهذه الهيئة التي أنشئت سنة 1998، اضطلعت منذ البداية بمهمة مرافقة المشاريع المبتكرة وتثمين نتائج البحث العلمي.
إعـــــــادة تموقــــــع فـــــــي منظومـــــــة متغيّـــــــرة
غير أنّ تعدد الفاعلين وظهور أجهزة جديدة، على غرار صناديق تمويل المؤسسات الناشئة وبرامج «الابتكار المفتوح»، دفع الوكالة إلى إعادة تموقعها، حيث انتقلت من مرافقة مباشرة لحاملي المشاريع إلى دعم الهياكل الوسيطة، وعلى رأسها حاضنات الأعمال داخل الجامعات.
هذا التحول ساهم في ترسيخ مفهوم «الجامعة المقاولاتية»، التي تسعى إلى تحويل مشاريع الطلبة إلى مؤسسات ناشئة، وهو ما تجسد من خلال برامج وطنية، أبرزها برنامج «250 مؤسسة ناشئة»، الذي أتاح لآلاف الطلبة الحصول على وسم «مشروع مبتكر»، وتحويل أفكارهم إلى مشاريع فعلية.
آليــــــــــــــــــات تمويـــــــــــــــــــــــــل متنوّعــــــــــــــــــة..
فيما يتعلق بالتمويل، أوضحت سلاف شيخي مسؤولة التعاون في الصندوق الجزائري لتمويل المؤسسات الناشئة، أن العديد من الأجهزة تعتمد على نظام «طلبات العروض»، التي تفتح المجال أمام حاملي المشاريع والمؤسسات الناشئة للتقدم بملفاتهم.
وأكّدت أن التمويل لا يقتصر على قطاع معين، بل يشمل جميع المجالات من البناء والأشغال العمومية إلى التكنولوجيا الحديثة والتكنولوجيا المالية، مشدّدة على أن التمويل لا يمنح بشكل آلي، إنما يخضع لدراسة دقيقة تشمل الجوانب التقنية والاقتصادية، خاصة في إطار آليات رأس المال المخاطر، حيث يمكن أن تصل قيمة التمويل إلى 20 مليون دينار للمؤسسات الناشئة و5 ملايين دينار لحاملي المشاريع، كما يستفيد أصحاب المشاريع من منظومة «Labels»، مثل «مشروع مبتكر» و»شركة ناشئة»، التي تتيح لهم مزايا متعددة، من بينها إعفاءات ضريبية قد تمتد إلى أربع سنوات، إضافة إلى تسهيل الولوج إلى السوق عبر شراكات في إطار «الابتكار المفتوح».
في السياق، برزت تجربة نموذجية جمعت بين جامعة مستغانم ومجموعة OCP، لتجسيد مشروع مبتكر في قطاع صناعة الإسمنت، وأوضحت الدكتورة حفيظة معوف باحثة من جامعة بلحاج بوشايب بعين تموشنت، أن هذا المشروع هو ثمرة سنوات من العمل البحثي الجماعي حول «رواسب السدود»، الذي كان يعتبر موردا مهملا.
وأضافت محدثتنا أن الثقة التي منحتها المؤسسة للفريق البحثي كانت عاملا حاسما في نجاح المشروع، حيث تم الانتقال من التجارب المخبرية إلى التجارب الصناعية، ما سمح بتأكيد فعالية الابتكار، بل وأثبت أن الكلنكر المنتج باستخدام هذه المادة يتفوق على نظيره التقليدي.
التّعـــاون.. مـــــن التّنظــــــير إلى التّجسيد
وبخصوص الملكية الفكرية، أكدت الباحثة أن المشروع يعود إلى فريق بحث جامعي، وأن حقوقه محفوظة للجامعة، التي تتكفل بإجراءات التسجيل والإيداع، ما يضمن استغلال النتائج في إطار قانوني يحفظ حقوق جميع الأطراف.
من جهتها، أوضحت ممثلة الشركة كريمة فارح، أن المؤسّسة تكفّلت بكامل الموارد التشغيلية، مستفيدة من تجهيزات قائمة مسبقا، مشيرا إلى أن المشروع لم يكن إنشاء مصنع جديد، بل تطوير منتج داخل منظومة إنتاجية موجودة.
وقد أفضى هذا التعاون إلى إنتاج ما يعرف بـ «الإسمنت الأخضر»، وهو منتج صديق للبيئة يعتمد على بدائل مستدامة بدل المواد الطبيعية غير المتجددة، في خطوة تعكس تحولا نوعيا في التفكير الصناعي.





