80 بالمائة من مناصب الشّغل استحدثها القطاع الاقتصادي المنتج
الجزائر أسّست نموذجا اقتصاديا يراهن على الإنتاجية وخلق الثروة
اعتبر الخبير الاقتصادي حكيم بوحرب أنّ سياسة التشغيل عرفت خلال السنوات الأخيرة قفزة لافتة، ولم تعد تكتفي بكبح البطالة، بعد أن تحولت إلى رافعة اقتصادية تواكب التحولات الهيكلية التي يعرفها الاقتصاد الوطني، مراهنا على المكاسب المحققة عبر إعادة توجيه آليات التشغيل نحو خدمة أهداف التنويع الاقتصادي، وربط استحداث مناصب الشغل بديناميكية القطاعات المنتجة، مع الحفاظ على البعد الاجتماعي كركيزة أساسية للاستقرار.
في قراءة تحليلية للتحولات التي تشهدها سوق العمل بالجزائر، أكّد البروفيسور حكيم بوحرب – في تصريح لـ»الشعب» – أن سياسة التشغيل المكرسة خلال السنوات الأخيرة لم تعد مجرد فقط آلية اجتماعية لامتصاص البطالة، بعد أن تحولت إلى أداة اقتصادية فاعلة، تسخّر لخدمة أهداف التنويع الاقتصادي، مع الحفاظ على المكاسب الاجتماعية، ويعكس هذا التوجه – في تقدير الخبير – رؤية جديدة تقوم على تحقيق التوازن بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي، بما ينسجم مع طبيعة التحولات التي يعرفها الاقتصاد الوطني.
الأولوية للاستثمار المنتج
أوضح الخبير بوحرب أن هذه السياسة أصبحت تعتمد على آليات أكثر نجاعة، تتجلى في قدرتها على تقليص معدلات البطالة، وتمكين الطبقة العاملة من الاستفادة من حزمة من المكتسبات الاجتماعية، بالتوازي مع تحسين القدرة الشرائية، من خلال مراجعة سياسة الأجور ورفعها، في سياق يسعى إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي ودعم ديناميكية الاستهلاك الداخلي.
وفي الإطار، أشار بوحرب إلى أنّ سياسة التشغيل أصبحت موجّهة بشكل واضح نحو خدمة القطاعات الاقتصادية المنتجة، عبر إعطاء الأولوية للاستثمار المنتج، خاصة في مجالات الصناعة، الفلاحة، الخدمات، وقطاع المحروقات، ما يعكس توجّها استراتيجيا يرمي إلى بناء اقتصاد منتج وخالق للثروة، بدل الاعتماد على المقاربات التقليدية القائمة على التشغيل الإداري
ومن بين أبرز السّمات التي تميز هذا التحول – يقول بوحرب – استمرار دور الدولة كمنظم رئيسي لسوق العمل، مع إدماج أدوات حديثة قائمة على الرقمنة والوسائط الإلكترونية، بما يضمن شفافية أكبر في توزيع عروض العمل، وتوجيهها وفق احتياجات الاقتصاد، بما يحقق التوازن بين العرض والطلب في سوق الشغل، كما يبرز التوجه نحو المقاولاتية كخيار محوري في سياسة التشغيل الجديدة، حيث لم تعد الدولة تعتمد حصرا على القطاع العام في خلق فرص العمل، بل وسّعت دائرة الفاعلين من خلال إشراك القطاع الخاص، وتشجيع المبادرات الفردية، خاصة عبر دعم المؤسسات الناشئة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تشكّل رافدا أساسيا لخلق الثروة، ومصدرا لأفكار مبتكرة يقودها الشباب.
نموّ أكثر توازنا
وفي ظل التّحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد الوطني، شدّد بوحرب على أنّ الطلب على المهارات أصبح أكثر ارتباطا بالتطورات التكنولوجية والتقنية، وهو ما انعكس مباشرة على توجهات التكوين المهني والتعليم، حيث باتت هذه المنظومة مطالبة بمواءمة مخرجاتها مع متطلبات السوق، عبر التركيز على الكفاءات الحديثة وربطها باحتياجات الاقتصاد الجديد.
وذكر بوحرب أنه بناء على هذه المعطيات، يتضح أن سياسة التشغيل في الجزائر في طور الانتقال من منطق المعالجة الظرفية للبطالة إلى منطق استباقي قائم على الاستثمار في الإنسان وربط العمل بالإنتاج، وهو تحول من شأنه، إذا ما استكملت شروطه، أن يعزّز قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص عمل مستدامة، ويؤسّس لنمو أكثر توازنا يدمج البعد الاجتماعي ضمن رؤية اقتصادية شاملة.
وفي قراءة لمؤشّرات سوق العمل، أكّد أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة البليدة، حكيم بوحرب، أن من بين أبرز المعايير التي تعكس نجاعة سياسة التشغيل في الجزائر، مدى فعالية توزيع عروض العمل داخل سوق الشغل، باعتبار أنّ طريقة توجيه هذه العروض تمثّل مؤشرا دقيقا على درجة انسجام السياسة المنتهجة مع التحولات الاقتصادية التي تعرفها الجزائر.
وأوضح الخبير أنّ تحليل توزيع فرص العمل بين مختلف القطاعات يكشف عن تحول نوعي في بنية التشغيل، حيث يستحوذ القطاع الصناعي وقطاع الخدمات على الحصة الأكبر من عروض العمل، وهو ما يعكس ديناميكية متزايدة في القطاعات غير النفطية، ويؤكّد أن الاقتصاد الوطني بدأ يبتعد تدريجيا عن اعتماده على المحروقات، متّجها نحو تنويع مصادر النمو.
نجاعة سياسة التّشغيل
واعتبر بوحرب أنّ هذا المؤشّر يتقاطع مع المعطيات الكلية التي يسجّلها الاقتصاد الجزائري، والتي تشير إلى انتقال تدريجي نحو تعزيز مساهمة القطاعات المنتجة خارج المحروقات، بما يعزّز أسس اقتصاد أكثر توازنا واستدامة. وفي هذا الإطار، أضحت سوق العمل مرآة حقيقية لهذه التحولات، حيث تعكس – بشكل متزايد – هذا التوجه الجديد، ما يشكّل دليلا إضافيا على نجاعة سياسة التشغيل المنتهجة، وتكاملها مع المؤشرات الإيجابية للاقتصاد الكلي.
وفيما يتعلق بجهود مكافحة البطالة، شدّد بوحرب على أنّ السياسة الحالية، في جوهرها، تقوم على تقليص نسب البطالة والتحكم فيها، مشيرا إلى أنّ المؤشّرات المسجلة في هذا المجال تعكس فعالية التدابير المعتمدة، وتؤكّد أنّ رفع مستوى التشغيل بات يشكل أولوية وطنية ترتبط بشكل مباشر بأداء الاقتصاد ومعدلات نموه.
أمّا بخصوص منحة البطالة، فقد أوضح بوحرب ضرورة قراءتها ضمن السياق الذي أُنشئت من أجله، باعتبارها آلية دعم موجهة للشباب خلال فترة البحث عن عمل، تتيح لهم قدرا من الاستقرار المالي الذي يساعدهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية، ويوفر لهم ظروفا أفضل للاندماج المهني، غير أنّ هذه الآلية – يضيف الخبير – تعرف اليوم توجّها نحو تحقيق نجاعة أكبر، من خلال ربطها بالتكوين المهني، حيث أصبح اكتساب المهارات شرطا أساسيا للاستفادة المستمرة منها.
ويعكس هذا التوجه – بحسب بوحرب – إرادة واضحة لتحويل وضعية البطالة من عبء اقتصادي إلى فرصة لإعداد موارد بشرية مؤهلة، قادرة على الاندماج السريع في سوق العمل، بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد الحديث، ويعزز من قدرة الجزائر على بناء قاعدة إنتاجية قائمة على الكفاءة والمعرفة.
ومن زاوية اجتماعية، أبرز بوحرب أن منحة البطالة لم تكن مجرد إجراء ظرفي، بل شكّلت آلية دعم حقيقية وفرت قدرا من الحماية الاجتماعية لفئة واسعة من الشباب خلال مرحلة البحث عن العمل، حيث ساهمت في التخفيف من الأعباء الاقتصادية، ومنحت المستفيدين نوعا من الاستقرار الاجتماعي، بما أتاح لهم البحث عن فرص العمل في ظروف أكثر توازناً وكرامة.
محرّك رئيسي بسوق العمل
وفي امتداد لهذا الطرح، شدّد بوحرب على أن مكافحة البطالة لم تعد مسؤولية القطاع العام وحده، بل أضحت عملية تشاركية يتقاسمها مختلف الفاعلين، وعلى رأسهم القطاع الخاص الذي يلعب دورا محوريا في خلق فرص العمل، سواء من خلال المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، أو المؤسسات الكبرى، أو حتى المؤسسات الناشئة التي أصبحت تمثل نواة ديناميكية للاقتصاد الوطني.
وأوضح بوحرب أنّ التّحولات التي يعرفها الاقتصاد الجزائري أفرزت نموذجا جديدا يقوم على تكامل القطاعين العام والخاص، حيث لم يعد النمو الاقتصادي رهين الإنفاق العمومي فقط، لأنه أصبح مرتبطا بمدى قدرة القطاع الخاص على الاستثمار والتوسع وخلق الثروة، بما يخدم أهداف التنمية ويعزز مسار تنويع الاقتصاد.
وتشير المعطيات – وفق بوحرب – إلى أنّ ما يقارب 80 بالمائة من مناصب الشغل المستحدثة خلال السنوات الأخيرة جاءت نتيجة نشاط القطاع الاقتصادي المنتج، وهو ما يعكس بوضوح تنامي دور هذا القطاع في الحد من البطالة، وتحوّله إلى محرّك رئيسي لسوق العمل، ويرجع هذا الأداء إلى جملة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها تعزيز النسيج الاقتصادي بمؤسّسات جديدة، إلى جانب توسيع المؤسسات القائمة، الأمر الذي انعكس مباشرة على وتيرة خلق فرص العمل.
وساهمت بيئة الاستثمار الجديدة، الناتجة عن مراجعة قانون الاستثمار والإصلاحات التشريعية – يواصل بوحرب – في تحفيز إنشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة والمؤسسات الناشئة التي تعد من أبرز مصادر توليد الوظائف في الجزائر، إلى جانب ذلك، استفاد المتعاملون الاقتصاديّون من حزمة من التّحفيزات، شملت إعفاءات جبائية وتسهيلات في مجال الضمان الاجتماعي، وهو ما ساعد على توسيع النشاط الاقتصادي، وتعزيز قدرته على استيعاب اليد العاملة، في إطار رؤية تستهدف بناء اقتصاد أكثر مرونة وفعالية.
كما أشار الخبير إلى أنّ الإجراءات التنظيمية الرامية إلى حماية السوق الوطنية كان لها أثر مباشر في دعم المنتج المحلي، حيث مكّنت المؤسّسات الجزائرية من رفع حجم إنتاجها وتوسيع نشاطها، وهو ما عزّز بدوره قدرة القطاع الخاص على لعب دور متقدم في تقليص البطالة وخلق فرص العمل.
وخلص الخبير إلى القول أنّه بناء على هذه المعطيات، يتضح أن البعد الاجتماعي لسياسة التشغيل في الجزائر لم يعد قائما على الدعم، فقد تطوّر نحو منطق الإدماج الاقتصادي، من خلال ربط الحماية الاجتماعية بآليات الإنتاج والتشغيل، وهو ما يعكس انتقالا نوعيا نحو نموذج تنموي أكثر توازنا، يجعل من الإنسان محورا للإنتاج، ومن العمل ركيزة للاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي.





