20 ألف مشروع استثماري يوفّر 420 ألف منصب عمــــــــــــل إضـــــــــافي
عالم الشغل انتقل من زيادة عدد المناصب إلى رفع نوعية المهـــــــــارات
كفاءة اليد العاملة الجزائرية.. محرّك أساسي للاقتصاد المنتـج
المشاريــــــــــع المهيكلـــــــــــة ستحقّق قفزة نوعيــــــــــــة في قواعــــــد التشغيـــــل
تحتفل الجزائر، على غرار دول العالم، بعيد العمال العالمي المصادف للفاتح ماي من كل عام، في سياق اقتصادي يتميّز بحركية متجدّدة، تعكسها الديناميكية التي تعرفها القطاعات الاقتصادية المنتجة خارج المحروقات، على غرار الصناعة والفلاحة والتجارة، فمع تسارع وتيرة المشاريع الاستثمارية، واتساع القاعدة الإنتاجية، باتت اليد العاملة الجزائرية في صلب هذه التحوّلات، حيث تساهم بشكل متزايد في خلق القيمة المضافة وتعزيز الإنتاج الوطني.
أكّد الخبير الاقتصادي، أحمد الحيدوسي أنّ الاقتصاد الوطني يشهد خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا، خاصة في القطاعات خارج المحروقات على غرار الصناعة والفلاحة والتجارة، التي أصبحت تساهم بشكل متزايد في خلق مناصب الشغل، وتقليص معدلات البطالة، وأوضح أنّ هذه الديناميكية أدت إلى توسّع الطبقة الشغيلة في الجزائر، والتي باتت تضم أكثر من 12 مليون عامل في هذه القطاعات، في مؤشّر يعكس التحول التدريجي نحو اقتصاد أكثر تنوعا.
في السياق، أشار الحيدوسي في تصريح لـ»الشعب»، إلى تنامي المشاريع الاستثمارية المسجّلة لدى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، حيث بلغ عددها نحو 20 ألف مشروع، دخل منها قرابة 6000 مشروع مرحلة الإنتاج، ما ساهم بشكل مباشر في توفير عدد معتبر من مناصب الشغل، ويرتقب، مع استكمال تجسيد مجمل هذه المشاريع، توفير ما يقارب 420 ألف منصب عمل إضافي، يقول محدثنا.
أمّا قطاع الفلاحة – يضيف الخبير – فقد سجّل بدوره نموا لافتا خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع حجم إنتاجه من حوالي 25 مليار دولار إلى ما يفوق 36 إلى 37 مليار دولار، مع زيادة مساهمته في الناتج الداخلي الإجمالي، ووصف الحيدوسي هذا التطور بأنه سمح بخلق فرص عمل جديدة، خاصة في المناطق ذات المساحات الشاسعة التي تعوّل عليها الدولة لتعزيز الأمن الغذائي.
بخصوص قطاع التجارة، قال الحيدوسي إنه شهد إعادة تنظيم وتأطير، لا سيما من خلال ضبط نشاط الاستيراد وتنظيم السجلات التجارية، وهو ما تعكسه الزيادة المسجّلة في عدد السجلات التجارية الجديدة، بما يعزّز من حركية السوق ويوسّع النشاط الاقتصادي، وأضاف أنّ هذه المؤشّرات تعكس بوضوح بروز قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني، من خلال تنويع مصادر الدخل، وتعزيز التشغيل، وتحقيق توازن أفضل في الهيكلة الاقتصادية.
تحولات نوعية وقيمة مضافة
في السياق، أكّد الحيدوسي أنّ عالم الشغل في الجزائر عرف تحوّلات مهمة نتيجة النمو المسجّل في قطاعات الصناعة والفلاحة والتجارة، خاصة من حيث نوعية الوظائف والمهارات المطلوبة، وأوضح أنّ هذه التحولات برزت بشكل واضح في قطاع الصناعة، لاسيما من خلال التركيز على الصناعة التحويلية وإطلاق مشاريع مهيكلة كبرى، على غرار صناعة التعدين ومواد البناء كالإسمنت، كما أشار إلى التطور اللافت في قطاع التجهيزات الكهرومنزلية الذي سجّل نموا معتبرا من حيث الإنتاج وتوفير مناصب الشغل، إلى جانب الصناعة الصيدلانية التي تمكّنت من تغطية نحو 80 بالمائة من الاحتياجات الوطنية، وهو ما يعكس تطورا في القدرات الإنتاجية المحلية.
سجّل محدثنا أنّ هذه الديناميكية لم تكن لتتحقّق لولا تطور كفاءة اليد العاملة الجزائرية، التي أصبحت أكثر تأهيلا واستجابة لمتطلّبات المشاريع الحديثة، خاصة في ظل توجه الدولة نحو تعزيز الإنتاج الوطني. واعتبر الحيدوسي أنّ التحولات التي شهدتها سوق العمل لا تقتصر على زيادة عدد المناصب، ورفع الأجور ما أدى إلى توسعة القاعدة الإنتاجية، فقد شملت أيضا تحسّنا في نوعية الوظائف، وارتفاع الطلب على مهارات تقنية وصناعية متخصّصة، بما يعزّز من مساهمة الموارد البشرية في خلق قيمة مضافة مستدامة للاقتصاد الوطني.
تحسين الدخل واقتحام الأسواق الدولية
أبرز الحيدوسي أنّ ديناميكية القطاعات الاقتصادية، لاسيما الصناعة والفلاحة والتجارة، أسهمت بشكل واضح في تحقيق قيمة مضافة معتبرة للاقتصاد الوطني، إلى جانب تحسين دخل العمال والمؤسّسات، وأوضح أنّ العلاقة بين الإنتاج والأجور تظل مترابطة، إذ لا يمكن الحديث عن زيادات مستدامة في الأجور دون رفع مستوى الإنتاج الوطني.
وساهم توسّع القاعدة الإنتاجية في زيادة عدد مناصب الشغل، ما عزّز القدرة الشرائية ورفع الطلب الداخلي، وأضاف أنّ «ارتفاع الطلب الداخلي شكّل بدوره حافزا قويا للمستثمرين للانخراط في مشاريع جديدة، وهو ما يفسر تزايد الإقبال على تسجيل الاستثمارات، نتيجة جاذبية السوق الوطنية». كما لفت أستاذ الاقتصاد إلى أنّ «هذه الديناميكية خلقت حلقة اقتصادية متكاملة، حيث يؤدي النمو إلى الاستثمار، والاستثمار إلى خلق مناصب الشغل، ومن ثمّ تحسين الدخل وتعزيز الاستهلاك». وأشار الحيدوسي إلى أنّ هذه القيمة المضافة تجسّدت أيضا في بروز قدرات الإنتاج الوطني في قطاعات كانت سابقا حكرا على الشركات الأجنبية، حيث تمكّنت المؤسسات الجزائرية من اقتحامها بقوة وإثبات وجودها، بل والتوجّه نحو الأسواق الدولية. وضرب مثالا بقطاع الصناعة الصيدلانية، الذي يغطي نحو 80 بالمائة من الاحتياجات الوطنية، إلى جانب قطاعات أخرى كالإسمنت، الحديد، التجهيزات الكهرومنزلية، والسيراميك التي شهدت تحسّنا ملحوظا في الجودة، إلى درجة تقليص الفارق بين المنتوج المحلي ونظيره المستورد.
وأشار محدثنا إلى أنّ هذه المؤشّرات تعكس تحوّلا نوعيا في بنية الاقتصاد الوطني القائم على تعزيز الإنتاج المحلي، وتوسيع فرص العمل، وتحقيق قيمة مضافة مستدامة تدعم النمو الاقتصادي.
مناصب شغل مستدامة
من جهة أخرى، أكّد الحيدوسي أنّ عددا من القطاعات، على غرار الصناعة والتجارة والفلاحة، تعد قطاعات كثيفة اليد العاملة، ما يجعلها قادرة على توفير عدد كبير من مناصب الشغل، خاصة عند إطلاق مشاريع مهيكلة كبرى، وأوضح أنّ التوجه نحو تطوير قطاعات استراتيجية، مثل قطاع المناجم، يمكن أن يحقّق قفزة نوعية في التشغيل، مستشهدا بمشاريع كبرى من شأنها توفير عشرات الآلاف من فرص العمل، على غرار مشاريع استغلال الفوسفات، إلى جانب مشاريع أخرى مرتبطة بالموارد الطبيعية، كما أشار إلى أهمية مشاريع البنية التحتية، لاسيما السّكك الحديدية التي لا تقتصر آثارها على خلق مناصب شغل مباشرة، بل تمتد إلى تنشيط قطاعات أخرى، خاصة التجارة والخدمات، بما يعزّز الحركية الاقتصادية، وأضاف أنّ هذه الديناميكية تبرز قدرة هذه القطاعات على تحقيق قيمة مضافة عالية، من خلال خلق وظائف مستدامة، ودعم الإنتاج الوطني، وتوسيع القاعدة الاقتصادية.
وخلص الحيدوسي إلى التأكيد على أنّ تعزيز مساهمة هذه القطاعات يمرّ عبر مواصلة دعم الاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال، وتوجيه المشاريع نحو الأنشطة ذات القيمة المضافة العالية، بما يضمن استدامة النمو الاقتصادي وفعالية سوق العمل في الجزائر.




