تحتفل الجزائر غدا، بالعيد العالمي للعمال، بمعطيات ومؤشّرات اقتصادية مغايرة تماما لما كانت عليه، وهي تحتل المرتبة الثالثة إفريقيا والرابعة عربيا، من حيث القوة الاقتصادية التي ساهمت المؤسّسات الناشئة في تحقيقها بشكل فعّال يليق بورثة شهداء نوفمبر المجيد.
تعتبر المؤسّسات الناشئة اليوم من أنجع الوسائل التي يتوفّر عليها الاقتصاد الوطني للرفع من القيمة المضافة للصناعة الجزائرية من خلال الحلول المبتكرة، والتمكّن من التكنولوجيات التي أثبت أنّ الشباب الجزائري يتحكّم بأحدث التقنيات، خاصة مع الجامعة بجميع هياكل الدعم التي توفّرها من مخابر بحث وحاضنات أعمال ومراكز تطوير المقاولاتية، من أجل استثمار المقدّرات البشرية الشبانية التي تمكّنت من خوض المعترك الاقتصادي باقتدار.
أرضية قانونية وتنسيق هيكلي…
لِتتمكّن المؤسّسات الناشئة من الاندماج بكل ثقلها ضمن مقاربة بناء اقتصاد وطني متنوّع قائم على التنوّع وخلق الثروة ومناصب الشغل، بدل البحث عنها، لجأت السلطات العمومية إلى إعادة صياغة المادة 41 من قانون الصفقات العمومية الذي يسمح للمؤسّسات الاقتصادية العمومية بالتعاقد مباشرة مع المؤسّسات الناشئة، في إطار وضع حلول تكنولوجية مبتكرة، لمختلف الإشكاليات المطروحة على مستوى المؤسّسات الاقتصادية، التي قامت هي الأخرى بتكييف نظامها الخاص المتعلق بالصفقات العمومية، بشكل يتماشى مع ما تضمّنته المادة السالفة الذكر من قانون الصفقات العمومية، لضمان انخراط القطاع الاقتصادي العمومي ضمن الديناميكية الاقتصادية الجديدة.
المؤسّسات الكبرى والناشئة.. تواصل الأجيال
إنّ اكتساح الساحة الاقتصادية من طرف المؤسّسات الناشئة قد ساهم بشكل فعّال في دعم قطاعات حيوية، من خلال حلول عملية لعديد الإشكاليات المطروحة بقطاعات النقل، الطاقات المتجدّدة والصناعات التحويلية، ويبقى التحدي الأهم الذي يقف أمام المؤسّسات الناشئة، هو مدى قدرتها على إيجاد الحلول لمختلف إشكاليات المؤسّسات والهيئات العمومية، ولأجل ذلك مكّنت الدولة الجزائرية المؤسّسات الاقتصادية الكبرى من تحفيزات جبائية مهمة، من أجل التعامل بأريحية مع المؤسّسات الناشئة وحاضنات الأعمال في إطار ميزات «الابتكار المفتوح»، حيث يتم بمقتضى ما جاء في هذه الصيغة من الشراكة، التعامل بين المؤسّسات الاقتصادية الكبرى والمؤسّسات الناشئة وحاضنات الأعمال، من أجل إيجاد حلول مشتركة للإشكاليات التي تعترضها، ممّا يسمح لها بولوج الأسواق العالمية وتحقيق الاستقلالية التكنولوجية والتقنية، من خلال الاعتماد على القدرات الابتكارية للمؤسّسات الناشئة والتقليص من التبعية التكنولوجية الأجنبية، ممّا يمكّن من توفير العملة الصعبة وتخفيف العبء عن الخزينة العمومية. وبالتالي يعتبر «الابتكار المفتوح» أهم التحفيزات التنظيمية التي اعتمدتها الدولة، من أجل تحقيق التكامل والتناغم على مستوى ثلاثية المؤسّسات الناشئة-حاضنات الأعمال- والمؤسّسات الاقتصادية الكبرى، لتوطيد الثقة بين المؤسّسات الناشئة ومحيطها الاقتصادي، وتحقيق الاستقلالية التكنولوجية، في ظل ما تتميّز به حاليا من أبعاد جيو-استراتيجية. وقد سجّلت السنوات الأخيرة أروع الأمثلة عن المؤسّسات الناشئة التي افتكّت المراتب العالمية في مجال الابتكار التكنولوجي والحلول الرّقمية، التي بات الشاب الجزائري، من خلالها، يحّقق نتائج تستحقّ الإشادة بها واعتمادها بهدف التخلّص من استراد التكنولوجية.
المقاول الذاتي.. فرصة لا تُفوّت
إنّ شباب الجزائر قوّة كامنة لا يُستهان بها، وقد نالت تكوينا قائما على أسس علمية حديثة، وتأطيرا وفق ميكانيزمات ذات نجاعة تمكّن من المساهمة في بناء الاقتصاد الوطني، من خلال خلق مناصب شغل تقليدية أو من خلال استحداث مؤسّسة ناشئة أو صغيرة، ما يسمح بحياكة نسيج اقتصادي كثيف، قوامه 20 ألف مؤسّسة ناشئة التزم رئيس الجمهورية باستحداثها، وهو ما يجري العمل على تجسيده، من خلال تطوير روح المقاولاتية على مستوى الجامعات، وتحسين ظروف إنشاء المؤسّسات المصغّرة. ومن أجل إعطاء فرص أوفر للشباب، تمّ اعتماد صيغة «المقاول الذاتي» التي أثبتت نجاعتها وفعاليتها في حشد وتجنيد الطاقات البشرية الجزائرية لصالح الهيئات العمومية ولصالح الاقتصاد الوطني بصفة عامة.
تواصل وزارة اقتصاد المعرفة، باعتبارها مجالا أفقيا يُعنى بالحلول الابتكارية العلمية لمختلف الإشكاليات، دعمها بطريقة مباشرة لمختلف القطاعات على غرار البيئة، الصناعة، النقل، الفلاحة، الرّي، تكنولوجيا الإعلام والاتصال وحتى الثقافة. وبما أنّ مادتها الأولوية وموردها الخام هي المعرفة والشباب الممارس لها، فعلاقتها بالجامعة الجزائرية متينة تجعلها في اتصال يومي مع مختلف هياكلها وإطاراتها، خاصة وأنّ الحلول التكنولوجية والابتكارية لمختلف الإشكاليات التكنولوجية المطروحة من طرف المؤسّسات الاقتصادية تتم على مستوى مخابر البحث بالجامعة الجزائرية، أين تمّ استحداث حاضنات أعمال، ومراكز تطوير المقاولاتية التي تمّ إطلاقها بجميع الأقطاب الجامعية.
مسار تنموي يتصاعد..
بفضل إرادة سياسية مؤمنة بالشاب الجزائري ومعدنه الوطني الأصيل، وبفضل تفاني الشباب والتفافِهم حول مقاربة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، يعرف قطاع الشركات الناشئة في الجزائر نموا ملحوظا، حيث تشير الإحصائيات الرّسمية والتقارير الاقتصادية الأخيرة حول المؤسّسات الناشئة، خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، إلى تسجيل حوالي 13 ألف مؤسّسة ناشئة، 8 آلاف منها تمّ تسجيلها على مستوى الجامعة الجزائرية. كما تمكّن ما يقارب 1300 مشروع مبتكر من الحصول على وسم «لابل»، ومن المتوقّع أن يرتفع العدد إلى 1500 مشروع نهاية 2026.
رمزيا.. مع العيد العالمي للعمال، يعتبر 2026 «عام الإقلاع» الحقيقي للمؤسّسات الناشئة بفضل عدة إجراءات استراتيجية، حيث أعلنت وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسّسات الناشئة والمصغّرة، عن ترقّب دخول 5 مؤسّسات ناشئة على الأقل في بورصة الجزائر خلال سنة 2026 لرفع رؤوس أموالها، كما تضمّن قانون المالية إعفاءات ضريبية شاملة للمؤسّسات الناشئة، بالإضافة إلى إعفاء كامل من مصاريف الإدراج في البورصة للفترة بين 2026 و2028، وإنشاء 300 مركز لتطوير المقاولاتية، منها 110 مراكز في قطاع التعليم العالي، ممّا يعزّز من تحويل مشاريع الطلبة إلى شركات اقتصادية منتجة، لتحتل الجزائر من خلال النتائج المحقّقة المرتبة الرابعة إقليميا في شمال إفريقيا من حيث قوة النظام البيئي للمؤسّسات الناشئة، مع بروز شركات رائدة تمكّنت من حصد مراتب وميداليات عالمية في مجال الابتكار والمشاريع المبتكرة في اختصاصات حديثة، كانت حكرا على الاقتصاديات الكبرى، مثل الذكاء الاصطناعي والرّوبوت.





