سعـــــــــداوي: “تراثنــــــــا حضارتنـــــــا” ولا حضـــــارة حقيقيــــــــــــــــة دون الحفــــــــــاظ علــــــــــــى المـــــــــــــــــوروث
جمعت فعاليات “عكاظية في الشعر الشعبي” المنظمة من طرف جمعية “الأعماق للتراث الشعبي والإبداع الثقافي”، تحت شعار “القيم الإنسانية في الشعر الشعبي” وذلك يومي 9 و10 ماي الجاري، بدار الثقافة مفدي زكرياء بورقلة، ثلة من الشعراء والدكاترة الباحثين والمهتمين بالتراث الشعبي، في صورة أكدت على عمق صلة الكلمة بين الشعراء.
وشهدت العكاظية تنظيم قراءات شعرية متنوّعة، إلى جانب قراءة خاصة في مسيرة الشاعر الراحل محمد بن جدية، مع تكريم الشاعر علي بوسعيد، في أجواء أعادت الاعتبار للشعر الشعبي بوصفه خزان الذاكرة الجماعية وحافظ التراث المحلي.
وأكد جمال سعداوي، ممثل مديرية الثقافة والفنون بولاية ورقلة في كلمة له بالمناسبة، أن هذه التظاهرة تأتي في إطار إيمان الوزارة الوصية بأهمية التراث الشعبي، ودوره في الحفاظ على الهوية الثقافية، مشيرا إلى أن شعار “تراثنا حضارتنا” كان تأكيدا على “ألا حضارة بدون تراث”.
كما أوضح أن دعم الجمعية هذه السنة لتنظيم العكاظية يندرج ضمن جهود إعادة اللحمة بين شعراء الشعر الشعبي، وتعزيزا لصلة الوصل فيما بينهم لتحقيق هدف أسمى وهو الحفاظ على هذا الموروث الثقافي.
وأضاف أن ولاية ورقلة تعدّ من أهم الحواضن للشعر الشعبي، مؤكدا ضرورة عدم ترك هذا التراث عرضة للنسيان، مع الدعوة إلى إصدار ديوان خاص بالشعر الشعبي الورقلي يوثق هذا الإرث للأجيال القادمة، كما شدّد على أهمية الحفاظ على “الداني دان” و«التريميد” باعتبارهما أوجها للتراث المحلي الذي يميز المنطقة.
من جانبه اعتبر رئيس الجمعية الشاعر سليمان دبابي، أن هذه التظاهرة، تعد فرصة سانحة لإعادة الشعر الشعبي وأسمائه المحلية في ولاية ورقلة إلى الواجهة من جديد، وذلك بالحرص أيضا على الحفاظ على كل من طابع “الداني دان” و«التريميد” اللذان يعدان وجهان لعملة واحدة وهي الشعر الشعبي.
فعاليات اليوم الأول لهذه التظاهرة الثقافية، عرفت إلقاء قراءات شعرية وعروض فنية وتراثية، حيث قدمت فرقة “تريميد” الناشئة وصلات غنائية من التراث الورقلي المحلي، بينما أبدعت فرقة “الداني داني” خلال اليوم الثاني من فعاليات عكاظية الشعر الشعبي في تقديم وصلات فنية، شدّت الجمهور الحاضر الذي تفاعل معها بشكل لافت.
ولم تقتصر التظاهرة على الإلقاءات الشعرية والفنية فقط، بل شكلت أيضا فضاء أكاديميا للتعمق في القيم الإنسانية التي يحملها الشعر الشعبي، من خلال مداخلة قدمها الدكتور أحمد التجاني سي كبير المختص في هذا المجال، وتناول فيها مكانة الشعر الشعبي كمرآة للمجتمع ووسيلة لحفظ القيم والعادات والتقاليد.
وفي سياق استحضار رموز الشعر الشعبي بالمنطقة، خصصت العكاظية حيزا مهما للحديث عن الشاعر الراحل محمد بن جدية، حيث قدم الدكتور والشاعر لمين سويقات مداخلة تناول فيها مسيرة الشاعر، مؤكدا أنه عرف بصدق الكلمة وصدق الإلقاء، وترك أثرا بارزا في الساحة الثقافية بورقلة.
وأشار المتحدث إلى أن محمد بن جدية يعد من مؤسسي فرقة الشعر الشعبي بولاية ورقلة سنة 1998، كما استعرض أهم محطات حياته، حيث ولد سنة 1933 بورقلة، وتلقى تعاليم القرآن الكريم منذ صغره، ما ساعده على اكتساب ثقافة واسعة رافقته إلى غاية وفاته رحمه الله.
كما عرف الراحل بمجموعة من الصفات التي ميزته عن غيره، فقد كان تلميذا للشيخ قويدر بن طريبة، ومجالسا دائما للشيخ بن بصيص، واستطاع أن يجمع بين كتابة الشعر والغناء، في وقت كان فيه الشاعر الشعبي يؤدي أشعاره بنفسه، ونادرا ما كان يغني لشاعر آخر.
كما عرف محمد بن جدية بحرصه الشديد على الدقة والجاهزية أثناء الإلقاء، إضافة إلى حضوره القوي في مختلف المناسبات، إذ لم يكن يترك مناسبة تمر دون أن يكتب فيها وعنها، حبا منه للشعر وتعلقا بالكلمة الشعبية.
وتطرّقت المداخلة كذلك إلى خصوصية الشعر الشعبي في ورقلة، الذي ارتبط تاريخيا بالغناء والأعراس، وهو ما جعل نسبة كبيرة من القصائد تدور حول الغزل، حيث اعتبرت الأشعار الغزلية من أجمل ما كتبه الشاعر الراحل، كما كان له أول ديوان شعري يصدر عن دار الثقافة لولاية ورقلة، في خطوة ساهمت في توثيق جزء مهم من التراث الشعري المحلي.
وقد شكلت هذه العكاظية مناسبة لإحياء كلمات الشاعر الراحل محمد بن جدية وتكريمه باستذكار عطائه الثقافي، إلى جانب تعزيز التواصل بين شعراء المنطقة والباحثين والمهتمين بالتراث الشعبي، في مشهد يعكس عمق الموروث الشعبي الذي يميز ولاية ورقلة.







