لا تكتفي ولاية جيجل بصورة الولاية الساحلية التي يقصدها المصطافون كل صيف، حيث بدأت خلال السنوات الأخيرة في رسم ملامح وجهة سياحية متكاملة تجمع بين زرقة البحر وسحر الجبال وهدوء القرى الريفية، في مسعى لإعادة اكتشاف المؤهلات الطبيعية والثقافية التي تزخر بها المنطقة على امتداد فصول السنة.
مع حلول الربيع، تحوّلت عدة مناطق جبلية بولاية جيجل إلى فضاءات مفتوحة للنشاطات الترفيهية والخرجات العائلية والتظاهرات الثقافية، ضمن مبادرات تقودها جمعيات محلية وفاعلون في المجتمع المدني للترويج للسياحة الجبلية بالتوازي مع السياحة الشاطئية التي اشتهرت بها الولاية لعقود طويلة.
وفي هذا السياق، سجّلت تظاهرة «ربيع جيجل 2026» المنظمة بمنطقة «إينارن» بدوار أولاد الشلي ببلدية العنصر، إقبالا كبيرا للعائلات والزوار القادمين من مختلف بلديات الولاية وحتى من ولايات مجاورة، في مشهد عكس تنامي الاهتمام بالسياحة الجبلية والفضاءات الطبيعية المفتوحة، لاسيما في ظل التغيرات التي شهدتها أنماط الترفيه العائلي خلال السنوات الأخيرة.
التظاهرة التي نظّمتها جمعية السفير للسياحة لولاية جيجل تحت إشراف مديرية السياحة والصناعة التقليدية، وبالتنسيق مع المجلس الشعبي البلدي لبلدية العنصر، جاءت في أجواء احتفالية امتزج فيها البعد السياحي بالجانب الاجتماعي والثقافي، وسط حضور لممثلين عن قطاعات السياحة والثقافة والشباب والرياضة، إلى جانب فعاليات المجتمع المدني والجمعيات المحلية الناشطة في مجال الصناعة التقليدية والسياحة البيئية.
ومنذ السّاعات الأولى لانطلاق التظاهرة، تحوّلت منطقة «إينارن» إلى فضاء نابض بالحياة، حيث انتشرت العائلات بين المعارض التقليدية والمساحات الطبيعية والورشات الثقافية والفنية، فيما فضل كثير من الزوار قضاء يوم كامل وسط الطبيعة الجبلية بعيدا عن ضوضاء المدن والاكتظاظ العمراني، في أجواء طبعتها البساطة والهدوء وروح اللقاءات العائلية المفتوحة.
وكانت التظاهرة محاولة فعلية لإعادة توجيه الاهتمام نحو السياحة الجبلية كخيار موازٍ للسياحة الشاطئية التي طالما ارتبطت بصورة ولاية جيجل، خاصة وأن المناطق الجبلية بالولاية ما تزال تحتفظ بطابعها الطبيعي، بما تضمّه من غابات كثيفة ومسالك ريفية ومناظر طبيعية تمنح الزائر تجربة مختلفة تقوم على الهدوء والاسترخاء والاندماج مع الطبيعة.
وعرفت التظاهرة مشاركة واسعة للحرفيين والجمعيات المحلية، الذين عرضوا منتجات تقليدية متنوّعة عكست عمق الموروث الثقافي والاجتماعي للمنطقة، حيث استقطبت أجنحة الأكلات الشعبية والحلويات التقليدية والألبسة والأشغال اليدوية اهتمام العائلات والزوار، في وقت شكلت فيه هذه الفضاءات فرصة لدعم الحرفيين المحليين والتعريف بالمنتوج التقليدي الجيجلي، الذي ما يزال يحافظ على حضوره داخل المجتمع الريفي والجبلي.
كما ساهم سكان المنطقة والجمعيات المحلية، على غرار جمعية «لجبالة» بدوار أولاد بوفاهة، وجمعية الياقوت الأزرق، وجمعية دوار أولاد الشلي، في إعطاء التظاهرة بعدا اجتماعيا، من خلال المشاركة في التنظيم واستقبال الزوار وتنشيط الفضاءات المفتوحة، في صورة عكست روح التضامن والعمل الجمعوي التي تتميز بها القرى والمناطق الجبلية بولاية جيجل.وامتد النشاط إلى المجال الثقافي والفني، حيث شارك قطاع الثقافة لولاية جيجل عبر تنظيم معارض للكتاب وورشات للمطالعة والتلخيص ومسابقات في الإلقاء لفائدة الأطفال والشباب، أشرفت عليها المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية، في خطوة هدفت إلى ربط الفعل الثقافي بالفضاءات الطبيعية المفتوحة، وتشجيع الأطفال على التفاعل مع الكتاب والفنون خارج الإطار التقليدي المغلق.
كما شهدت التظاهرة تنظيم ورشات للرسم والخط العربي من طرف دار الثقافة، وسط إقبال لافت للأطفال والعائلات الذين وجدوا في الطبيعة فضاء ملائما للإبداع والتعبير الفني، فيما ساهمت جمعية ترقية نشاطات الشباب للمركب الرياضي الجواري بجيملة في إثراء الفعاليات من خلال معرض للفنون التشكيلية عرضت فيه لوحات مستوحاة من البيئة والطبيعة والتراث المحلي، تحت تأطير الفنان حدادي عبد الإسلام.
وشكّلت الرحلات الجماعية المنظمة نحو منطقة «إينارن» أحد أبرز مظاهر التظاهرة، حيث بادرت جمعيات محلية إلى تنظيم خرجات لفائدة العائلات والشباب والمهتمين بالسياحة البيئية، في خطوة هدفت إلى تشجيع اكتشاف المناطق الجبلية، وخلق فضاءات للتعارف والتبادل بين المشاركين، بعيدًا عن الطابع الاستهلاكي الذي يطغى عادة على النشاطات السياحية الموسمية.
وهذه المبادرات بدأت تؤسّس تدريجيا لثقافة سياحية جديدة بولاية جيجل تقوم على تنويع العرض السياحي، واستغلال المؤهلات الطبيعية والبيئية التي تزخر بها المناطق الداخلية والجبلية، خاصة في ظل تنامي الاهتمام بالسياحة الإيكولوجية والبحث عن الوجهات الهادئة والطبيعية، حيث باتت الكثير من العائلات تفضّل قضاء أوقاتها في الفضاءات الطبيعية المفتوحة بدل الاقتصار على الوجهات الساحلية المكتظة، وهو ما يمنح للمناطق الجبلية فرصا حقيقية للتحول إلى فضاءات جذب سياحي واجتماعي على مدار السنة.




