لا سيـــادة اقتصاديـــة بــلا هويــة صناعيــة محـــدّدة لكـــل منطقـــة
الانتقـــال مــن حوكمــة المكاتــــب إلــــى حوكمــــة المناطــــق الذكيـــة.. أولويـــة
يرى الخبير الاقتصادي فارس مسدور، ضرورة تأهيل المناطق الصناعية الجزائرية، عن طريق تحويل الولايات من حاضنات متنافسة إلى قواعد إنتاجية متخصّصة، تترابط عبر مناطق حرّة ذات بيئة تنظيمية مرنة، وسلاسل قيمة جهوية مكمّلة. مستندا إلى تجارب التجمّعات الصناعية الآسيوية وتجارب وطنية ناشئة في برج بوعريريج والمدية والبليدة وغيرها..
اعتبر الخبير مسدور أنّ النجاح الصناعي لا يكمن في تعميم النموذج وحده، وإنما في فرض حوكمة صارمة وتبني خريطة وطنية متكاملة يرتبط فيها كل تخصّص بالمزايا، والكفاءات المحلية، واللوجستيات المتوفرة، واقترح – في تصريح لـ»الشعب» – إحداث ثورة هادئة من خلال بناء مدن صناعية، مدعومة بمناطق حرّة ذكية، وبنية لوجستية تربط الإنتاج بالسوق العالمي، من أجل تحقيق هدف جوهري منشود يتمثل في تكريس سيادة اقتصادية، توفير مناصب شغل مستدامة، وتحقيق موقع استراتيجي في قلب سلاسل القيمة العالمية.
وبما أنّ الاستراتيجية الصناعية تبرز كأحد أهم روافع التنمية المستدامة وتنويع مصادر الدخل الوطني، في ظل التحولات الهيكلية التي تشهدها الاقتصادات الناشئة، عرض مسدور رهانات بناء مناطق صناعية متخصّصة عبر ولايات الوطن، مؤكّدا أنّ التوجه نحو التخصّص الجهوي المدروس يمثل خيارا تنمويا، كما يعدّ ركيزة أساسية لامتداد قاعدة إنتاجية ناشئة، متنوعة، وذات زخم تنافسي قادر على استقطاب الاستثمارات، وتعزيز القيمة المضافة المحلية، واستحداث مناصب الشغل، وكل ذلك من شأنه أن يحقّق الطفرة الاقتصادية والنهضة التنموية.
التقليــــــــل مــــــن التكاليـــــــــــف البينيـــــــــــة
شدّد مسدور على أنّ تخصيص مناطق جغرافية لأنماط صناعية محدّدة يعد «عين الصواب»، مستندا في ذلك إلى تجارب دولية ناجحة، لا سيما في القارة الآسيوية التي اعتمدت نموذج التجمّعات الصناعية المتخصّصة كقاطرة للنمو السريع، وأوضح أنّ هذا النموذج يكتسب مشروعيته الاقتصادية عندما تتوافق الميزة النسبية للمنطقة مع طبيعة النشاط الصناعي، سواء تعلق الأمر بالحرف التقليدية الأصيلة، أو الصناعات التحويلية، أو التكنولوجيات المتطورة.
وفي السياق الجزائري، أشار مسدور إلى نماذج بدأت تتبلور على أرض الواقع وترسّخ منطق التخصّص، مثل ولاية برج بوعريريج التي استقطبت استثمارات نوعية في الصناعات الإلكترونية والكهرومنزلية، وولاية المدية التي ترسّخت فيها صناعة الجلود كحرفة وصناعة قائمة على الكفاءة المحلية، وولاية البليدة التي تميّزت بصناعات غذائية ومستحضرات تجميل ذات قيمة مضافة عالية.. كل هذه التوجّهات – في تقدير الخبير – تؤسّس لبيئة اقتصادية حاضنة للكفاءات والمورّدين المحليين، ومراكز الصيانة والبحث، ما يعزّز سلاسل القيمة ويقلّل من التكاليف البينية بين المراحل الإنتاجية.
وفي قراءته للمسار الأمثل لتفعيل هذا التوجّه، ميّز مسدور بين المناطق الصناعية التقليدية والمناطق الحرّة المتخصّصة، ليعلن تأييده الواضح للنموذج الثاني، ويوضّح أنّ إنشاء مناطق حرّة مركّزة على قطاعات استراتيجية، مثل صناعة المركبات (السيارات، الشاحنات، الحافلات) أو الصناعات الفلاحية والغذائية، من شأنه أن يوفّر بيئة تنظيمية مرنة، وحوافز استثمارية مشجّعة، وإجراءات جمركية وضريبية مبسّطة، ما يمنح الاقتصاد الجزائري دفعة نوعية نحو التصدير، ونقل التكنولوجيا، وخلق مناصب شغل مستدامة، وضرب مثلا بولاية معسكر كونها فضاء واعدا لاستقطاب مناطق متخصّصة في العتاد الفلاحي أو الصناعات الغذائية ذات الأصل الفلاحي، ما يحقّق تكاملا عضويا بين القطاع الفلاحي والنسيج الصناعي المحلي، ويحول الإنتاج الأولي إلى سلع نهائية قابلة للتسويق محليا ودوليا.
تخطيـــــــــــــــــط لوجستــــــــــــــــــــي ذكــــــــــــــــــــــي
مع حتمية تطبيق حوكمة صارمة لضمان النجاعة، لم يتجاهل مسدور التحديات الملازمة لهذا الخيار، وبيّن أنّ تركيز نشاط صناعي معين في منطقة جغرافية محدّدة، قد يترتّب عنه ارتفاع تكاليف النقل والمواصلات إذا تباعدت مناطق التوريد أو الأسواق الاستهلاكية، غير أنه أكّد أنّ هذا التحدي، يمكن مواجهته عبر تخطيط لوجستي ذكي، واستثمار في البنى التحتية للنقل، واعتبار التوجه خيارا استراتيجيا طويل الأمد يحقّق وفرة في الحجم على المدى المتوسط والبعيد.
وشدّد مسدور – في السياق – على ضرورة اعتماد «قاعدة صارمة» على المستوى الوطني، تقضي بمنع ازدواجية أو تكرار نفس التخصّص الصناعي في ولايات متعدّدة، تجنّبا لتبديد الموارد العمومية، وخلق منافسة داخلية غير مجدية، وتفتيت الجهود الاستثمارية. وأكّد أنّ النجاح لا يكمن في تعميم نموذج واحد على كل التراب الوطني، بل في بناء خريطة صناعية جهوية متكاملة، حيث تتخصّص كل ولاية في مجال يتناغم مع مواردها، كفاءاتها البشرية، وموقعها.
وأكّد الدكتور مسدور على أهمية التنويع الصناعي الوطني، وأشار إلى أنّ الجزائر تمتلك قاعدة صناعية راسخة في قطاعات حيوية، مثل الصناعات الدوائية التي تعدّ من بين الأوائل إفريقيا من حيث القدرة الإنتاجية، الجودة، والابتكار؛ لذا، فإنّ المقاربة الناجحة تقوم على تعزيز التخصّص الجهوي مع ضمان التكامل والتشبيك بين المناطق المختلفة على المستوى الوطني، لتتحول المنافسة المحلية إلى شبكة إنتاجية وطنية مترابطة.
هندســـــــــــــة الجغرافيـــــــــــــا الصناعيـــــــــة
قال الدكتور مسدور: يبقى التنفيذ المنضبط، المدعوم بدراسات جدوى دقيقة، وشراكات فاعلة بين القطاعين العام والخاص، ومرونة تشريعية تستجيب لمتطلبات السوق، العامل الحاسم لتحويل هذه الرؤية إلى واقع اقتصادي مثمر، يعكس طموح الجزائر في بناء اقتصاد منتج، قادر على الصمود، ومستعد لقيادة التحول الصناعي في الفضاء المتوسطي والإفريقي، خاصة أنّ الجزائر تتأهّب للحاق بركب الدول الناشئة، ولعل المؤشّرات الاقتصادية المحقّقة تؤكّد أنها في المسار الصحيح باعتراف مؤسّسات مالية واقتصادية دولية.
جدير بالإشارة أنّ الجزائر أحدثت تحوّلا نوعيا في إدارة العقار الصناعي عبر اعتماد منصة رقمية موحّدة لتوزيع العقار الاقتصادي، مع تفعيل تسهيلات تمنح الأولوية المطلقة للمستثمرين المؤهّلين ذوي المشاريع ذات القيمة المضافة العالية والجدوى الاقتصادية المؤكّدة، وتكمن رهانات هذا النموذج في كسر احتكار المضاربة العقارية، واستبدال البيروقراطية بشفافية رقمية قائمة على الجدارة والمعايير الفنية الدقيقة.
وينعكس هذا المسار مباشرة على ازدهار القطاع الصناعي، عبر تسريع تحويل الأراضي الراكدة إلى وحدات إنتاجية فعلية، وتقليص الفجوة الزمنية بين الترخيص والإقلاع التشغيلي، وسيعزّز هذا التوجه، على صعيد المدن الصناعية، تخطيطا عمرانيا وإنتاجيا متكاملا، حيث تتحوّل المساحات الصناعية إلى فضاءات ذكية تستقطب الكفاءات، وتنشط شبكات المورّدين المحليين، وتترجم منطق التخصّص الجهوي إلى واقع ملموس. ويمكن القول إنّ المنصة رافعة استراتيجية لإعادة هندسة الجغرافيا الصناعية الوطنية، وتحويل المدن الصناعية إلى قاطرات نمو مستدام، وأقطاب تنافسية قادرة على استيعاب الاستثمار النوعي واقتحام الأسواق العالمية بمنتجات ذات جودة وتنافسية عالية.





