الأقطاب الصناعية المتخصّصة..تحول استراتيجي عميق في النموذج التنموي
لا بديل عن توجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة…
تتّجه الجزائر بخطى واثقة، وفق استراتيجية واضحة، قائمة على التخصّص والتنوع، بتعليمات من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، نحو إنشاء مدن متخصّصة في نشاطات اقتصادية بعينها، تبعا لخصوصية المنطقة جغرافيا، ومن حيث الموارد الطبيعية التي تزخر بها. وهو ما يعكس تحوّلا استراتيجيا عميقا في نموذجها التنموي، من أجل بناء اقتصاد متنوّع ومستدام، يعتمد على الابتكار والتخصّص بدل الاعتماد الأحادي على الموارد الطبيعية.
أوضح رئيس منظمة أرباب العمل وجمعية منتجي السيراميك، منصف بودربة، في اتصال مع «الشعب»، أنّ تعليمات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بخصوص التوجه نحو المدن المتخصّصة في نشاط اقتصادي معين حسب المميّزات الجغرافية للمنطقة والمقدرات الطبيعية التي تمتلكها، تصبّ ضمن رؤية استشرافية متبصّرة، تقوم على الاستغلال الأمثل للمقدرات الطبيعية للبلاد وفق الخصوصية الجغرافية لكل منطقة، وكذا طبيعة النشاط المتوارث عبر أجيال تلك المناطق، مثل صناعة الجلود، الزرابي والنسيج، زراعة الأشجار المنتجة للزيوت، وهنا فتح بودربة قوسا، ليثمّن تعليمات رئيس الجمهورية بالتوجه نحو زراعة أشجار «الأرقان» بالجنوب الجزائري، وإنتاج زيت الأرقان ذي القيمة البيولوجية والاقتصادية العالية.
تــوازن تنمـــــوي وتوزيـــــع عــــادل للــــثروة
سجّل بودربة أنّ الجزائر تسعى إلى إحداث تحول هيكلي في اقتصادها، من اقتصاد يعتمد أساسا على المحروقات إلى اقتصاد متنوّع يقوم على تعدّد الأنشطة والقطاعات، ويعد إنشاء وتطوير مدن أو أقطاب اقتصادية متخصّصة، أحد أهم الآليات التي اعتمدتها الجزائر في الخمس سنوات الأخيرة، لتحقيق هذا الهدف، من خلال توزيع الأنشطة الاقتصادية جغرافيا وربط كل منطقة بميزة تنافسية معينة.
وشدّد بودربة على الأهمية الاستراتيجية للمدن المتخصّصة التي توجّه فيها الاستثمارات نحو نشاط اقتصادي محدّد صناعي كان، أو فلاحي، أو تجاري، أو تكنولوجي وحتى إعلامي، ويهدف هذا التوجه – وفق المتحدث- إلى تحقيق الكفاءة الاقتصادية عبر التخصّص وخلق أقطاب تنموية جهوية لتقليل الفوارق بين المناطق، وخاصة دعم الصادرات خارج قطاع المحروقات، وهو المسعى الذي أكّد رئيس الجمهورية مرارا وتكرارا على ضرورة بلوغه وجعله على رأس الأولويات.
وأكّد بودربة، من موقع الخبير الاقتصادي، أنّ تمركز الأنشطة الاقتصادية في مناطق محدّدة يعزّز الإنتاجية والابتكار، خاصة في القطاعات التي تتطلّب جهدا خاصا وإمكانات معينة، كالمناجم التي تتطلّب بنية تحتية قوية، ومصانع إنتاج تتكيف ونوع النشاط على غرار الأقطاب المنجمية الثلاث، تندوف، بجاية وتبسة التي تمّ ربطها بخطوط سككية منجمية ووحدات إنتاج مؤهّلة.
التخصّــــــــــص.. رؤيــــــــــــــــة عصريــــــــــــــــة
لم يفوّت منصف بودربة الفرصة، للتوقف عند قرارات وتوجيهات رئيس الجمهورية خلال ترؤّسه لمجالس الوزراء التي صدرت عنها عدة قرارات وتوجيهات استراتيجية، أبرزها التأكيد على ضرورة تنويع الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على المحروقات، ودعم إنشاء أقطاب اقتصادية متخصّصة صناعية وفلاحية، بهدف تشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي في هذه المناطق، من خلال إطلاق مشاريع كبرى واستحداث مناطق صناعية، وتمثل بودربة – في السياق – بعدد من الأمثلة عن مدن جزائرية متخصّصة، مثل القطب التجاري واللوجستي بشرق العاصمة «الحميز» الذي يعتبر مثالا واضحا لمدينة متخصّصة في النشاط التجاري واللوجستي ومركز وطني لتوزيع السلع من إلكترونيات ومواد بناء، كما يعتبر نقطة ربط بين السوق الجزائرية والمورّدين الدوليين، مستفيدا من موقع استراتيجي قرب المطار والطريق السيار، فتحوّل إلى قطب تجاري ضخم يزوّد مختلف ولايات الوطن.
منصّــــــــــــات إنتــــــــــاج موجّـــــــــه للتصديــــــــر
لقد عكفت الجزائر، منذ إقلاعها الاقتصادي – يقول بودربة – على إنشاء وتوسيع مناطق صناعية عبر مختلف الولايات، من خلال تخصيص آلاف الهكتارات للاستثمار الصناعي، وتوجيه هذه المناطق نحو قطاعات محدّدة مثل الصناعات الغذائية، الطاقات المتجدّدة، الصناعات التحويلية بجميع شعبها، والصناعات الميكانيكية، وتهدف هذه المناطق – يواصل محدثنا – إلى أن تصبح منصّات إنتاج موجّهة للتصدير، مع جعل السلطات العمومية تركّز بشكل قوي مؤخّرا لربطها بالبنية التحتية من شبكات الطرقات والموانئ، بعد أن عرفت هذه الأخيرة عمليات عصرنة وتوسعة على غرار ميناء عنابة وجن جن، من أجل جاهزية أكثر فعالية لاحتواء عمليات التصدير التي سجّلت أرقاما تبعث على الاعتزاز والتفاؤل بمركز الجزائري الرّيادي بين الاقتصاديات العالمية الناشئة وكبار المصدّرين.
كما عملت الجزائر على تطوير مدن أو مناطق متخصّصة في الزراعة الصّحراوية، على مستوى الجنوب الكبير الذي يتوقّع بودربة أن يتحول خلال السنوات القليلة المقبلة إلى قطب فلاحي- صناعي للصناعات الغذائية المرتبطة بالإنتاج المحلي، من خلال الشراكة الجزائرية القطرية لمشروع «بلدنا»، لإنتاج الحليب المجفّف، والشراكة الجزائرية الإيطالية لإنتاج البقوليات بتيميمون، وهو التوجّه، الذي يرى بودربة أنه يعزّز الأمن الغذائي ويخلق قيمة مضافة محلية.
تحفيــــــــــــــزات لتعزيــــــــــــــــز الاستثمــــــــــــار
من أجل نتائج أكثر فعالية، دعا بودربة إلى تسريع تهيئة المناطق الصناعية وإزالة العراقيل أمام المستثمرين، مع اعتماد نظام الشباك الواحد لتسهيل الإجراءات وتقديم تحفيزات ضريبية وجمركية للمشاريع المنتجة، إلى جانب توجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة وتسهيل تمويل مشاريع تنموية محلية، ودعم المؤسّسات الناشئة لتعزيز الإنتاج الوطني وتقليل الاستيراد، وذلك في إطار رؤية شاملة لإنعاش الاقتصاد الوطني





