كاشــــــــــر: جــــــدران القصبــــــة عنـــــــاصـر حيـــــــة والمـــــواد الحديثـــــــة تهـــــــدّد توازنهـــــــا
دومـــــــــاز: الأدوات الرقميـــــــــــــــة قـــــــــادرة علـــــــــى جمـــــــع وتنظيـــــم بيانـــــات الترميــــــم
فكــــــرون: حمايــــــــــة القصبــــــة تبــــــدأ مـــــن فهــــــم “كيميـــــاء” مــــواد بنائهــــــا الأصليـــــــة
بوستيــــل: إدمـــــــاج المـــــــواد المعاصـــــرة في القصبـــــة يجـــــــب أن يحـــترم خصـوصيتهــــــا
بلونـــــاس: الميــــــــــدان هــــو الاختبــــار الحقيقــــي لنجــــاح أي دراســـة لترميـــم القصبـــة
احتضن المتحف العمومي الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط بدار مصطفى باشا، يوما دراسيا بعنوان “القصبة بين الماضي والحاضر” تحت شعار “تراثنا حضارتنا”، وذلك في إطار فعاليات شهر التراث الثقافي 2026، حيث ناقش المشاركون واقع ترميم المعالم التاريخية بين الحفاظ على أصالة المواد التقليدية والاستفادة من التقنيات الحديثة في حماية التراث العمراني.
شهد اللقاء حضور أساتذة وباحثين في الهندسة المعمارية والعمران، إلى جانب مختصين في التراث المعماري وإعلاميين ومهتمين بقضايا صون الذاكرة التاريخية، حيث انصبت المداخلات على آليات توظيف التكنولوجيا الحديثة لخدمة التراث دون المساس بخصوصيته وهويته الأصلية.
وفي هذا السياق، قدّمت الدكتورة صبرينة كاشر، الأستاذة المحاضرة بالمدرسة المتعدّدة التقنيات للهندسة المعمارية والعمران، مداخلة تناولت فيها دور التقنيات الرقمية في دراسة المواد التراثية والمحافظة عليها، مؤكدة أن فعالية هذه الأدوات تبقى رهينة بمدى ارتباطها بالواقع الميداني وخصوصية المباني التقليدية.
وأوضحت أن العديد من أخطاء الترميم تنتج عن استخدام مواد حديثة لا تتناسب مع طبيعة البناء التقليدي، خاصة داخل منازل القصبة التي تُرمم أحيانا من طرف السكان دون تأطير تقني متخصص.
وأضافت أن الجدران التقليدية المبنية بالتربة والقش وجذوع الأشجار تُعد عناصر حية تتفاعل مع محيطها الطبيعي، وهو ما يجعل إدخال مواد عازلة للرطوبة أو مواد مغايرة لتلك المستعملة في البناء الأصلي سببا في الإخلال بتوازن البنية المعمارية.
كما شدّدت، انطلاقا من تجربتها في تأطير بحوث الماجستير والدكتوراه، على أهمية تطوير حلول رقمية موجهة للخبراء الميدانيين، بما يسمح بحماية التراث المهدّد بالتدهور وضمان استمراريته.
من جهته، تطرّق الدكتور دوماز محمد أنيس إلى إشكالية إدارة البيانات في مشاريع الترميم، موضحا أن هذه العمليات تفرز كما هائلا من المعلومات المتنوعة وغير المركزية، ما يستدعي توفير أدوات رقمية قادرة على جمع البيانات وتنظيمها بين مختلف المتدخلين في المشروع.
وأشار إلى أن كل مرحلة من مراحل الترميم، سواء تعلق الأمر بالدراسة أو الصيانة أو التنفيذ، تخضع لإجراءات تقنية وقانونية دقيقة تتطلب تسييرا فعالا للمعطيات.
واقترح المتحدث الاعتماد على تقنية “نمذجة معلومات المباني (BIM)”، التي تستعمل في المشاريع المعمارية الحديثة، موضحا أنها لا تقتصر على إنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد فحسب، بل تشمل أيضا بيانات وصفية ودلالية توثق خصائص كل عنصر معماري. وأضاف أن هذا المفهوم تم تكييفه ليصبح “نمذجة معلومات المباني التراثية (HBIM)”، التي تستخدم لتوثيق تاريخ المبنى ومواد بنائه والتدخلات السابقة والأضرار التي تعرض لها، إلى جانب بروتوكولات الترميم المعتمدة.
واستشهد الدكتور دوماز بتجربة ترميم كاتدرائية نوتردام، حيث ساهمت هذه التقنية في دمج المعطيات النصية بالنماذج الرقمية ثلاثية الأبعاد، ما سمح باستعادة العناصر المتضررة بدقة كبيرة.
كما أوضح أن استخدام تقنية BIM لا يقتصر على المباني الفردية فقط، بل يمكن توسيعه ليشمل أحياء ومدنا كاملة تعرضت للتلف، من خلال رقمنة مختلف العناصر المعمارية وتوصيفها بدقة، بما يوفر قاعدة بيانات مستدامة تسهّل عمليات الترميم والمتابعة المستقبلية.
وبدورها قدمت الدكتورة مدينة فكرون، أستاذة محاضرة من الدرجة “ب” بالمدرسة العليا للحفظ والترميم للممتلكات الثقافية بولاية تيبازة، مداخلة بعنوان “مواد التراث ومواد الترميم: رهانات الأصالة والتوافق في حماية قصبة الجزائر”، حيث تناولت إشكالية التوفيق بين الحفاظ على الخصوصية التاريخية للمباني واستعمال مواد ترميم تتلاءم مع طبيعتها الأصلية.
كما تطرّقت الدكتورة فريال بوستيل، أستاذة في الهندسة المعمارية بجامعة البليدة، إلى موضوع “استخدام المواد المعاصرة في إعادة تأهيل وتجديد قصبة الجزائر”، متوقفة عند حدود إدماج التقنيات الحديثة داخل النسيج العمراني التقليدي
ومن جانبه، ناقش المقاول السيد بلوناس عمار، المختص في ترميم المعالم الأثرية، واقع مؤسسات ترميم المعالم التاريخية بين الجوانب النظرية ومتطلبات الميدان، بينما تناول مهندس التراث المعماري السيد مخلوفي نصر الدين إشكالية “مواد البناء في مشاريع الترميم بين الأصالة والتحديث”.
كما سلّطت الأستاذة سلسبيل جوادي والأستاذة سباعي يسري، المختصتان في الهندسة المعمارية بجامعة الجزائر، الضوء على التراث الخزفي لقصبة الجزائر، من خلال مداخلة بعنوان “حين تهدّد التقنيات الحديثة الأصالة التاريخية”، تطرقتا فيها إلى المخاطر التي قد تطرحها بعض أساليب الترميم الحديثة على الهوية الأصلية للعناصر الخزفية التراثية.
وفي السياق ذاته، أبرز المهندس المعماري جمال عبد الحكيم، من مكتب دراسات في الهندسة المعمارية، أهمية الدراسات الأثرية والتحاليل الأركيومترية في مشاريع الحفظ والترميم، مؤكدا أن فهم الخصائص الفيزيائية والكيميائية للمواد القديمة يعد خطوة أساسية لضمان ترميم علمي يحافظ على أصالة المعالم التاريخية.



