ريـــــاش لـ”الشعـــــب”: الرقمنــة والوعــي الشعبــي همــا الدرع الواقــي لتراثنــا مــن السطــو
”دار الصنعــــــــــــــــــــــة” فضــاء لنقــل أســرار الحـــــرف التقليديـــــة من الأجـــــداد إلى الأحفـــــاد
يضطلع مركز الفنون والثقافة بقصر رياس البحر حصن 23 بدورين بارزين، فزيادة على دوره ورمزيته التاريخية في الحفاظ على الذاكرة، يساهم أيضا في حماية التراث والهوية، من خلال تنظيم نشاطات وفعاليات تحتفي بكل ما هو موروث مادي أو غير مادي، مع تنظيم تظاهرات للباس التقليدي والمطبخ الجزائري، حيث شهد مؤخرا نشاطين هامين يكرسان هذا التوجه الحضاري.
على صعيد حماية الموروث الثقافي، تحوّل القصر إلى منارة للجمال والأصالة من خلال استضافة فعاليات التعريف باللباس الجزائري التقليدي، فتحت شعار “أزياء صامدة لأجيال خالدة.. فن الطرز خيوط أجيال وموروث أمة”، احتضن المركز معرضا أكاديميا خاصا بالمهرجان الثقافي الوطني للزي التقليدي.
وقد جال الزوار بين أروقة المعرض التي ازدانت بأبهى أنواع “البلوزة، الملحفة، لباس الفارس، والبرنوس”، وهي قطع تنطق بتاريخ وبراعة الإنسان الجزائري في الحفاظ على هويته عبر العصور، والحفاظ على “فن الطرز” كحرفة وهوية تتوارثها الأجيال صونا لها من الطمس أو الاندثار.
وفضلا عن هذه الفعاليات، يفتح قصر رياس البحر أبوابه للجمهور لاكتشاف المعرض الدائم “بحارة برتبة سلاطين”، إضافة إلى فضاءات “دار الصنعة” و«فضاء الجزوة”، التي تعكس في مجموعها عبق التاريخ وأصالة المعمار الجزائري، إذ يفتح أبوابه ليكون فرصة للعائلات والباحثين للغوص في أعماق الهوية الوطنية، في رحلة تجمع بين قدسية الذاكرة التاريخية وجمالية التراث الثقافي.
من “إيكوزيوم” إلى العهد العثماني
ويعد قصر رياس البحر، الواقع بقلب الجزائر العاصمة، أكثر من مجرد معلم أثري، في وقت لايزال شاهدا على قرون من التاريخ، وجسر يربط بين عراقة الماضي وتحديات الحاضر.
وتستعرض الدكتورة فايزة رياش مديرة مركز الفنون والثقافة بهذا الصرح التاريخي، في حديثها لـ«الشعب”، رؤية المركز في الحفاظ على الموروث الثقافي الجزائري، وأبرز التحديات التي تواجه حماية الهوية الوطنية في ظلّ التحولات المعاصرة، موضحة أنه تأسس عام 1994، ويقع في موقع استراتيجي يمثل الامتداد البحري للقصبة العتيقة، كما يظمّ دررا تاريخية مذهلة، من آثار “إيكوزيوم” الفينيقية والرومانية، وصولا إلى “بطارية مامي أرناؤوط” التي شُيدت عام 1576 لتكون حصنا دفاعيا منيعا عن مدينة الجزائر.
ويتميز القصر بطراز معماري فريد يمزج بين اللمسات الجزائرية الأصيلة والتأثيرات العثمانية والأندلسية، حيث يضمّ ثلاثة قصور، وبيوت الصيادين، وجامع “قاع السور”، ما يجعله متحفا مفتوحا يجسد عبقرية العمارة الجزائرية عبر العصور.
في “دار الصنعـــــــــــــــــة”
وتقول فايزة رياش إن مهمة المركز لا تقتصر على حماية الجدران، بل تمتد إلى التراث غير المادي، وتؤكد بصفتها محافظة المهرجان الثقافي للزي التقليدي، أن المركز يعمل على توثيق تاريخ اللباس الجزائري وعلاقته بالمقاومة، مثل القفطان واللباس العاصمي، مضيفة أن من أبرز المبادرات التي أطلقها المركز مؤخرا مشروع “دار الصنعة”، وهو فضاء مخصص لتعليم الشباب والحرفيات المهارات اليدوية التي تكاد تندثر، مثل “الطرز التقليدي” (الفتلة والمجبود) وصناعة الحلي، لضمان انتقال هذه المعارف إلى الأجيال القادمة.
الوعي الشعبـي والمسؤولية المشتركـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة
وعلى الرغم من الجهود المؤسساتية، تشير الدكتورة رياش إلى أن أكبر تحد يواجه التراث اليوم هو “نقص الوعي”، كما ترى أن حماية الموروث هي “مسؤولية الجميع”، داعية المؤسسات التربوية إلى غرس قيمة التراث في نفوس الأطفال منذ الصغر، وتعليمهم كيفية التعامل مع المواقع الأثرية والقطع المتحفية كملك عام يجب صونه لا لمسه أو تخريبه.
وفي سياق متصل، شدّدت المديرة على أهمية التعاون الأكاديمي، فكل معلومة أو نص يعرض في القصر يخضع لتدقيق صارم من قبل باحثين وأساتذة مختصين في علم الآثار والتاريخ، مشيرة إلى أن الهدف الحالي هو رقمنة التراث الجزائري وتوثيقه علميا لمواجهة محاولات التزييف أو السطو الثقافي، معتبرة أن الأرشفة هي الآلية الأقوى للحفاظ على الهوية.
اقتصــــــــاد بنفسجـــــي مستـــــدام
وتبرز الدكتورة فايزة رياش الرؤية المستقبلية الطموحة، حيث تسعى الدولة الجزائرية عبر ترسانة قانونية (مثل القانون 04-98) وبالتنسيق مع مختلف الأسلاك الأمنية (الدرك، الجمارك، والأمن الوطني) لمحاربة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، داعية إلى تحويل التراث من مجرد ذاكرة إلى رافد اقتصادي حقيقي ضمن ما يعرف بـ«الاقتصاد البنفسجي”، حيث يساهم الثراء الثقافي في خلق الثروة وتنشيط السياحية وتعزيز الدبلوماسية الثقافية للجزائر في المحافل الدولية، مؤكدة في هذا الصدد أن مركز الفنون والثقافة بقصر رياس البحر، يبقى اليوم وفيا لمهمته كحارس للتاريخ، ومرب للأجيال، ومنصة تبرز وجه الجزائر الحضاري المشرق.


