بوحــاتم لـ «الشعب»: اللـوجيستيــــك للإدارة والرّقابــــة للسّلطـــة المستقلـة.. ضمــان النزاهــة
تتقدّم التّحضيرات اللوجيستية للاستحقاق الانتخابي القادم على مستوى الولايات المستحدثة في سياق إداري وسياسي يفرض درجة عالية من التنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة، خاصة أنّ العملية الانتخابية لا تبدأ يوم الاقتراع فقط، بل تسبقها مراحل واسعة تتعلق بتهيئة المقرات، تجهيز الفضاءات الإدارية، توفير الوسائل التقنية، وضمان جاهزية الموارد البشرية والمادية التي تسمح بتنظيم الموعد الوطني في ظروف مناسبة.
من هنا تبرز أهمية البيان المتعلق بتنفيذ تعليمات وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السعيد سعيود، الرامية إلى ضمان الجاهزية اللوجيستية لهذه الولايات، باعتبارها خطوة عملية تدخل ضمن مسار أوسع لإحكام التحضير المادي والإداري دون المساس بجوهر العملية الانتخابية.
وفي هذا السّياق، يكتسب التعديل التقني للدستور أبعاده العملية، لأنه أعاد ضبط العلاقة بين ما هو تنظيمي وإداري من جهة، وما هو رقابي وإشرافي من جهة أخرى، فالدعم اللوجيستي الذي تضطلع به الإدارة لا يعني التدخل في القرار الانتخابي أو التأثير في إرادة الناخبين، إنما يتعلق بتوفير الشروط المادية التي تجعل العملية قابلة للتنفيذ على مستوى كل البلديات والولايات، خاصة بعد استحداث ولايات جديدة تحتاج إلى مقرات مجهزة، وسائل اتصال، فضاءات عمل، وطواقم إدارية قادرة على مواكبة آجال العملية الانتخابية ومتطلباتها.
وبهذا المعنى، فإنّ نقل بعض الصّلاحيات التنظيمية ذات الطابع التقني إلى الإدارة، يسمح بتسريع وتيرة التحضير، ويمنع تحميل السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أعباء تشغيلية واسعة قد تشتت جهدها عن المهام الأكثر حساسية، وهي الإشراف، التنظيم، الرقابة، وضمان احترام الضمانات القانونية المرتبطة بنزاهة العملية الانتخابية، كما أنّ هذا الفصل بين الجانبين يساعد على جعل كل جهة تتحمل مسؤوليتها ضمن حدود واضحة، حيث تهتم الإدارة بتوفير الوسائل، أما السلطة الوطنية للانتخابات تراقب وتؤطّر وتسهر على سلامة المسار الانتخابي.
فصل وظيفي يدعم النّزاهة
في هذا الإطار، أكّد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور مصطفى بوحاتم، في تصريح لـ «الشعب»، أنّ التعديل التقني للدستور جاء ليعالج هذه التفاصيل العملية، موضّحا أن العملية الانتخابية تحتاج إلى مراحل تنظيمية واسعة تبدأ بتوفير البيئة المادية من تجهيزات، مكاتب، مقرات ووسائل عمل، ومن غير الممكن أن تتمكّن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وحدها من الإشراف على هذه الجوانب في 69 ولاية، خاصة في الولايات الجديدة التي تتطلّب إمكانات كبيرة وجهدا ميدانيا مستمرّا، وأضاف أن هذه العمليات تقنية ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بشفافية العملية الانتخابية أو التأثير عليها، بل إنّ الإبقاء على هذه المهام التشغيلية ضمن أعباء السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، مع صعوبة ضمانها ميدانيا في كل الولايات، قد يؤثّر سلبا على العملية من زاوية نقص التجهيزات أو تأخر التحضيرات، لذلك كان التعديل التقني ضرورة لمعالجة هذا القصور ودعم المسار الانتخابي في الجزائر.
إنّ ما يجري اليوم في الولايات المستحدثة – يقول بوحاتم – يعكس الحاجة إلى إدارة قادرة على مواكبة التحولات الإقليمية والتنظيمية للدولة، فهذه الولايات ما تزال في طور بناء هياكلها الإدارية وتوسيع قدراتها المرفقية، ولذلك، فإنّ التحضيرات الجارية لا يمكن عزلها عن هذا الواقع، لأن ضمان مكتب انتخابي مجهّز، وفضاء إداري مؤهل، ووسائل تقنية موضوعة تحت تصرف المنسقين الولائيين للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، يمثل جزءا من ضمان السير الحسن للعملية وليس بديلا عن الرقابة عليها.
كذلك، فإنّ تركيز السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات على مهامها الأصلية يمنحها قدرة أكبر على متابعة الجوانب التي تشكّل جوهر النزاهة، من ضبط القوائم، متابعة سير العملية، مراقبة الترتيبات القانونية، وضمان احترام القواعد المنظمة للاقتراع، أمّا الإدارة فتتحمّل الجانب المادي الذي لا يحمل في ذاته بعدا سياسيا مؤثّرا ما دام مؤطرا بالقانون وتحت رقابة المؤسسات المختصة.
وبالنسبة للولايات المستحدثة تحديدا، فإنّ هذا المسار يكتسي أهمية إضافية، لأنّ اتساع الخريطة الإدارية يتطلّب سرعة في التكيف، وتعبئة للإمكانات، وتنسيقا محكما بين وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل، والسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، والمنسقين الولائيين، بما يضمن استكمال الترتيبات في آجالها المحدّدة، وفي السياق نفسه، فإنّ هذه الجاهزية لا تخدم الإدارة وحدها، بحكم أنّها تخدم المواطن والعملية الانتخابية معا، ما يحول دون الارتباك التنظيمي، ويجعل يوم الاقتراع تتويجا لتحضير مسبق وتنظيم محكم.



