تتجلى المفارقة المركزية في سباق الذكاء الاصطناعي بين القطبين العالميّين، الصين والولايات المتحدة، في اختلاف الجوهر الفلسفي والوظيفي لهذا التطور؛ فبينما تنغمس القوة الأمريكية في مطاردة “الذكاء الاصطناعي الفائق” كغاية تكنولوجية كبرى تهدف إلى الهيمنة التقنية وتجاوز القدرات البشرية، تتبنى الصين استراتيجية مغايرة تُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي بلس” (AI+)، التي تحول هذه التقنية من ابتكار طليعي إلى بنية تحتية صلبة متغلغلة في مفاصل الحياة اليومية.
محمد لعرابي
يرصد الكاتب جاك درير، في مقال تحليلي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، وجود هوة فلسفية عميقة تفصل بين الطموحات التقنية لكل من الولايات المتحدة والصين في سباق الذكاء الاصطناعي؛ فبينما يركز المنهج الأمريكي على تطوير “ذكاء اصطناعي فائق” يتجاوز القدرات البشرية، تتبنى الصين استراتيجية حكومية تُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي بلس” (+A.I)، تهدف من خلالها إلى تحويل التكنولوجيا إلى بنية تحتية خدمية تندمج كليا في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
الذكاء الاصطناعـي.. حـل للأزمـات الديموغرافيـة
ويشير درير، من واقع إقامته الطويلة في شنغهاي، إلى أن الصين ترى في الذكاء الاصطناعي أداة براغماتية لمواجهة تحديات ديموغرافية ضخمة، خاصة في المناطق الريفية التي تضم نحو 110 ملايين طفل يعانون من نقص جودة التعليم والرعاية الصحية، وبحسب المقال، فإن الرهان الصيني يعتمد على استخدام الوكلاء الرقميين لسد العجز في الكوادر البشرية، وتحويل التقنية إلى طبيب ومعلم افتراضي، ما يفسر حالة التفاؤل الشعبي بالتقنية في الصين مقارنة بموجات القلق السائدة في المجتمعات الغربية.
وفي استعراضه للملامح الميدانية لهذا التطور، يوضح جاك درير أن الصين نجحت في جعل الذكاء الاصطناعي جزءا ملموسا من البنية التحتية، بدءا من أنظمة التعرف على الوجوه في المدارس وقطارات الأنفاق، وصولا إلى مشروع “عقل المدينة” في هانغتشو الذي يدير حركة المرور وحماية البيئة، ويؤكد صاحب المقال أن الاستراتيجية الصينية لا تهتم بامتلاك أقوى النماذج الحاسوبية بقدر اهتمامها بامتلاك نماذج “فعالة بما يكفي” لإدارة الموانئ الآلية وتطوير الطاقة الخضراء بكفاءة ميدانية عالية.
تصدير نموذج الحوكمة الصيني
وعلى الصعيد الجيوسياسي، يذهب مقال “نيويورك تايمز” إلى أن الصين بدأت تنتقل من تصدير السلع الفردية إلى تصدير حزم متكاملة من الخدمات (طاقة، اتصالات، نقل) تدار كليا بالذكاء الاصطناعي، ويرى الكاتب أن هذا التوجه يسمح لبكين بتصدير نموذج حوكمتها الخاص إلى الأسواق الناشئة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهو نموذج يدمج بين الرفاهية التقنية، وفرض الرقابة، والتسلسل الهرمي للمجتمع، ما يمنحها نفوذا عالميا يتجاوز التفوق التقني النظري.وينتهي المقال إلى المفاضلة بين المسارين: مسار أمريكي يشبه بناء “سفينة فضاء” فائقة التعقيد للطيران بعيدا، ومسار صيني يركز على إعادة صياغة الحياة على كوكب الأرض عبر إدارة الطرق والمستشفيات والمدارس، ويرى درير أن نجاح الصين في جعل تقنياتها جزءا لا يتجزأ من الوجود اليومي للبشر حول العالم قد يمنحها الأفضلية في الصراع الدبلوماسي والاقتصادي القادم، بعيدا عن صخب المختبرات التي تطارد الذكاء الخارق.






