الصمت خيانة لذاكرة والدتي.. والعيش بجانب قامة مثل وردة هبة
الكتاب ليس سيرة ذاتية لأميرة الطرب.. هو ذكرياتي في ظلال الوالـــــدة
أعظم ما تعلمت من والدتـي.. التسامح المطلــق والشجاعــة في مواجهــة المحن
لا أقبـل الارتجـال في تخلــيـد إرث والدتــي السينمائـي.. اسمـهـا يستحق الكمـال
صوتها يسكن صوتها وجدان الملايين، ويفتح رياض قصري، خزانة الحنين ليروي قصة والدته، وردة الجزائرية، من منظور لم يره الجمهور من قبل، في إصداره الجديد الذي يحمل عنوان (La Voix, Le Sang et La Vie)، ليزيح الستار عن حياة الأيقونة خلف الأضواء، موثقا ذكرياته مع «الأم» التي كانت تملأ البيت بساطة وحبّا.
– الشعب: بداية، تستعيدون ذكرى الوالدة بعد سنوات طوال من الرحيل في كتاب، ما الذي أيقظ فيكم الحنين لتدوين صفحات من الذاكرة في هذا التوقيت بالذات؟
رياض قصري: الدافع الحقيقي وراء هذا الكتاب هو الحنين الصادق، وبصراحة، شعرتُ بأنه احتياجٌ وجداني داخلي يلحُّ عليّ، أحسستُ أنني ممتلئ بذكريات وتفاصيل عشتها مع والدتي الراحلة وردة الجزائرية، وكان من الضروري أن أوثقها لأولادي، لكي لا ترحل هذه الذاكرة معي وتضيع بمرور الزمن، لذا، قررتُ تحويل تلك المشاعر إلى كلمات ملموسة محفوظة بين دفتي كتاب.
– حدثنا عن الكتاب بشكل أعمق، ما هي أبرز المحاور التي يرتكز عليها؟
يحمل الكتاب عنوان (La Voix, Le Sang et La Vie) باللغة الفرنسية، ويجري العمل لإصداره باللغة العربية، وقد رأى النور أمس في جلسة توقيع في ذكرى وفاتها، المصادف ليوم 17 ماي بالجزائر العاصمة، يقع في 175 صفحة، أما مهمة إصداره وتوزيعه، فقد تولتها «دار داليمان للنشر».
أهم نقطة أود توضيحها هي أن هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي لحياة وردة الجزائرية، لم أحاول كتابة تاريخ حياتها، بل دونتُ ذكرياتي الشخصية معها، المواقف التي شهدتها بعيني، والأحداث التي كنتُ شريكا فيها، بما في ذلك المحطات الصعبة في رحلة علاجها من المرض، إضافة إلى ما سمعته منها مباشرة أو من أفراد عائلتنا المقربين.
يتناول الكتاب أيضا الشخصيات المؤثرة التي كان لي شرف التعرف عليها خلال مرافقتي لها، والأماكن التي خلدت في ذاكرتنا، باختصار، هو سيرة ذكرياتي في ظلها، وليس سيرة حياتها المهنية.
– نفهم من حديثكم أن هذا الإصدار يركز بشكل جوهري على البعد الإنساني في علاقتكم بوالدتكم، فكيف تقاطعت ملامح الأم مع نجومية الفنانة؟
بالفعل، هذا هو جوهر الكتاب، لقد ركزتُ على الجانب الإنساني والفني، مع تقديم وردة الإنسانة على الفنانة، ذكريات طفولتي، على سبيل المثال، لم تكن مع النجمة المشهورة التي يعرفها العالم، بل كانت مع الأم بفيض حنانها، والمرأة بتفاصيلها البسيطة، أردتُ أن أستعيد صورة «وردة الأم» بعيدا عن صخب الأضواء.
– هل يخبئ الكتاب معلومات أو أحداث تنشر لأوّل مرّة حول حياة أميرة الطرب وردة الجزائرية؟
قد يجد الجمهور الوفي لوردة – أولئك الذين تتبعوا مسيرتها بدقة – بعض المعلومات المألوفة لديهم، خاصة وأن محبيها يعتبرون أخبارها حقائق ثابتة في وجدانهم، لذا، قد لا تكتشف هذه الفئة الكثير من المفاجآت حول وردة «الفنانة»، لكنهم حتما سيتعرفون على جوانب جديدة تخص علاقتي بها وما كنتُ أشعر به تجاهها.
ما يهمني حقا هو القارئ العام الذي لم يعرف وردة عن قرب، أريده أن يراها بعيني أنا، سيجد صورة مغايرة للصورة النمطية عن حياة الفنانين المقتصرة على الحفلات والسهر، سيكتشفون وردة الإنسانة «البيتوتية» التي كانت تتسم بالبساطة المفرطة والعفوية المطلقة.
– وكيف تنظرون إلى حجم الاحتفاء بوالدتكم في الجزائر والعالم العربي بعد رحيلها؟ وهل تعتقدون أنها نالت ما تستحقه من اهتمام وبحث في إرثها الفني؟
الاحتفاء بذكراها قائم ومستمر، والمبادرات التي تصدر عن المؤسسات والدول، سواء في الجزائر أو خارجها، هي جهود مشكورة ومقدرة، لكنني أؤمن دائما بأن «أكرم وأنبل» تكريم لوردة الجزائرية هو حب جمهورها المتواصل الذي لا ينطفئ. حين أقرأ تعليقات الناس وتفاعلهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ألمسُ وفاء نادرا رغم مرور 14 عاما على رحيلها، هذا الحلم الذي يسكن القلوب هو التكريم الحقيقي الذي يمكن أن تظفر به أي فنانة.
– هل لديكم تطلعات أو مشاريع مستقبلية لتخليد أعمال الوالدة عبر إنتاجات سينمائية، تلفزيونية أو وثائقية؟
بشأن الأعمال السينمائية والتلفزيونية، لستُ معترضا على المبدأ، لكنني أضع شرطا أساسيا وهو «العالمية والاحترافية»، فإما أن يكون العمل بمستوى فني يضاهي المقاييس العالمية، أو من الأفضل عدم خوض التجربة، أنا ضد «الارتجال» أو الأعمال التي تفتقر للإتقان ولا تليق بمقام فنانة عظيمة صدح صوتها في كبرى المسارح وعبر العالم.
وعندما يتعلق الأمر بوالدتي، أعترف بأنني أفتقد للموضوعية أو الحياد، فأنا أطالب دائما بالأفضل، وبأعلى معايير الكفاءة، وأضخم الإمكانيات، لأن اسمها يستحق الكمال.
– ما هي أثمن الوصايا أو الدروس التي استلهمتموها من مدرسة وردة الجزائرية في حضرتها وبعد غيابها؟
أعظم درس تعلمته منها هو «التسامح»، لقد كانت إنسانة نقية، لا تعرف الحقد، وإذا غضبت سرعان ما تهدأ وتنسى، لم يكن للسواد أو الضغينة مكان في قلبها. كذلك تعلمتُ منها «الشجاعة» في مواجهة تقلبات الحياة وأزماتها، سواء كانت صحية أو مهنية، كانت تقابل العقبات بصلابة ممزوجة بابتسامة، وهذه القدرة على الحفاظ على الابتسامة في وجه المحن هي أكثر ما ميز شخصيتها العظيمة.
– كيف كانت وردة «الأم» بعيدا عن أضواء الشهرة ومنصات المسرح؟
هناك كثير من التفاصيل الحميمة والقصص المنزلية التي سردتها باستفاضة في الكتاب، لذا، أدعو القراء لاكتشاف تلك الجوانب الإنسانية للأم، التي كانت تعيش حياة هادئة ودافئة بعيدا عن بريق النجومية.
– ما هي الرسالة التي رغبت في إيصالها لجمهور وردة من خلال هذا العمل؟ وماذا تود أن تضيف في نهاية حديثنا؟
لقد ترددتُ طويلا قبل الإقدام على هذه الخطوة، ففي ثقافتنا الجزائرية نعتبر تفاصيل البيت والعائلة أمرا يتسم بالخصوصية الشديدة، بل قد يصل لدرجة «المحرمات»، لكنني وصلتُ لمرحلة شعرتُ فيها أن الصمت «خيانة» لهذه الذاكرة.
العيش بجانب قامة مثل وردة الجزائرية هو هبة، والاحتفاظ بتلك التجربة لنفسي فقط هو تقصير في حق التاريخ وحق محبيها، لقد كتبتُ هذا الكتاب لأن بعض القصص لا يمكن أن تظل صامتة.
أردتُ أن أقترب من تلك المنطقة الدقيقة التي تتماهى فيها الذاكرة مع الواقع، والصمت مع الكلمات، ليس لتقديم إجابات جاهزة، بل لمشاركة تساؤلات ومشاعر قد تبدو شخصية، لكنها في جوهرها إنسانية مشتركة.






