نظّمت أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي، بالتعاون مع المجلس الأعلى للغة العربية ووحدة الدراسات الثقافية والهوية والتراث، عبر تقنية التحاضر المرئي عن بعد، فعاليات الملتقى الدولي الثاني الموسوم بـ “التراث الشعبي الجزائري: مسؤولية الحاضر ورهان المستقبل”، تحت شعار “التراث ذاكرة حيّة وهويّة متجدّدة”، شارك فيه نخبة من الباحثين والأكاديميين والخبراء من الجزائر وعدة دول عربية، في تظاهرة علمية وثقافية ناقشت قضايا التراث والهوية والتحولات الرقمية المعاصرة.
أكّد الدكتور حسان بوسرسوب، رئيس وحدة الدراسات الثقافية والهوية والتراث ورئيس اللجنة العلمية للملتقى في كلمته الترحيبية، أن التراث الشعبي الجزائري يمثل ركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية، وذاكرة جماعية تحفظ أصالة المجتمع الجزائري وتنوعه الثقافي، مشددا على أهمية تعزيز آليات صونه ونقله إلى الأجيال القادمة، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها العالم اليوم.
من جهته، أشاد البروفيسور صالح بلعيد، خلال افتتاحه أشغال الملتقى، بأهمية الموضوع وبالجهود العلمية المبذولة لإنجاح هذه التظاهرة الفكرية والثقافية، معتبرا أنّ التراث الشعبي يعد من أبرز عناصر حماية الذاكرة الوطنية وترسيخ الانتماء الحضاري. وقد سيّر الجلسة الافتتاحية البروفيسور مصطفى عطية، قبل انطلاق الجلسات العلمية التي ناقشت قضايا التراث من زوايا ثقافية وأنثروبولوجية وسوسيولوجية ورقمية.
بدورها، قدّمت الأستاذة الدكتورة سعاد بسناسي، عضو المجلس الأعلى للغة العربية ورئيسة أكاديمية الوهراني للدراسات العلمية والتفاعل الثقافي، مداخلة بعنوان “التراث الجزائري في الفضاء الرقمي: نحو تعزيز حضور اللغة العربية عالميا”، أكدت فيها أن الجزائر تزخر بتراث مادي وغير مادي متنوع صنفته منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي، على غرار قصبة الجزائر، وموسيقى الراي، وإمزاد الطوارق، والكسكس الذي يضم مئات الأنواع المختلفة عبر مناطق الوطن.
وأوضحت المتدخّلة أن الاعتراف الدولي بالتراث الجزائري لا يمنحه فقط مكانة عالمية، بل يرسّخ الهوية الوطنية ويؤكد عمقها الحضاري والثقافي، مشيرة إلى أن الرقمنة أصبحت ضرورة ملحة لحماية هذا الموروث من الاندثار، وجعله متاحا للأجيال القادمة من خلال المتاحف الافتراضية والمنصات الرقمية وقواعد البيانات والتطبيقات الحديثة، وشددت على أن إدراج التراث الجزائري باللغة العربية في الفضاء الرقمي يعزز حضور العربية عالميا، خاصة مع إمكانية ترجمته إلى اللغات الأجنبية.
كما تناولت الدكتورة سعاد بسناسي أبرز التحديات التي تواجه رقمنة التراث، من بينها ضعف البنية التحتية الرقمية ونقص الكفاءات ومحدودية التمويل، مقابل فرص واعدة يتيحها التعاون الدولي والشراكات الأكاديمية ودعم المؤسسات الثقافية العالمية.
وخلصت مداخلتها إلى مجموعة من التوصيات، أبرزها إنشاء منصات رقمية متخصصة في التراث الجزائري، وتكوين الكفاءات في مجالات الرقمنة والتوثيق، وتشجيع البحث العلمي وربط التراث بالتعليم الرقمي لتعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة.
وشهد الملتقى مداخلات علمية أخرى قاربت التراث من زوايا متعددة، من بينها مداخلة الدكتورة باغور يمينة الموسومة بـ«التراث الجزائري بين الرمزية والممارسة اليومية: قراءة أنثروبولوجية في إنتاج المعنى الثقافي”، حيث تناولت التراث الجزائري باعتباره نسقا رمزيا حيا يتجاوز حدود الحفظ المادي والتوثيق التاريخي ليصبح ممارسة اجتماعية يومية تسهم في إعادة إنتاج المعنى الثقافي وبناء الهوية الجماعية داخل المجتمع الجزائري.
وأبرزت الدّراسة كيف تحوّلت عناصر مثل الشدة التلمسانية والكراكو العاصمي والطقوس الاحتفالية والممارسات الغذائية إلى رموز للانتماء والذاكرة الجماعية، مؤكّدة أن وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي لم تؤد إلى تراجع التراث، بل ساهمت في إعادة إنتاجه داخل فضاءات جديدة ومنحته قدرة أكبر على الانتشار والتأثير.
كما قدّم الدكتور حسان بوسرسوب مداخلة بعنوان “التراث الشعبي الجزائري والمؤسسة المسجدية: نحو مقاربة سوسيودينية في إعادة إنتاج الهوية الثقافية”، ركّز فيها على الدور الذي تضطلع به المؤسسة المسجدية في صون التراث الشعبي، وترسيخ مكونات الهوية الثقافية من خلال الخطاب الديني والطقوس الجماعية والمناسبات الاجتماعية والدينية، معتبرا أنّ المسجد فضاء جامع يحفظ الذاكرة الجماعية ويعزز وحدة المجتمع.
وعرفت أشغال الملتقى أيضا مشاركة عربية من خلال دراسة قدّمها الأستاذ الدكتور سرمد جاسم محمد الخزرجي حول التراث الشعبي العراقي والتحولات الاجتماعية، حيث أبرزت الدّراسة قدرة التراث على التكيف مع العصر الرقمي والهجرة والفضاءات الافتراضية، بما يضمن استمراريته بوصفه ركيزة للتماسك الاجتماعي والهوية الثقافية.
واختتمت فعاليات الملتقى بالتأكيد على أنّ التراث الشعبي الجزائري ليس مجرد موروث مرتبط بالماضي، بل مشروع حضاري متجدد ورافد أساسي من روافد الهوية الوطنية، يستوجب حماية علمية وثقافية ورقمية تضمن استمراره وإشعاعه محليا ودوليا، مع الدعوة إلى تعزيز التعاون بين الجامعات والمؤسسات الثقافية وهيئات حماية التراث من أجل تطوير مقاربات حديثة لتثمين الموروث الثقافي الجزائري، وربطه بالتحولات الرقمية المعاصرة.





