إحياءً لليوم الدولي للعيش معا في سلام، وفي إطار الاحتفال بشهر التراث، يحتضن مركز “كراسك” بوهران، غدا الاثنين، المنتدى العلمي حول فكر الأمير عبد القادر والقديس أوغسطين “رجال الفضائل والجود: التسامح والعيش المشترك بسلام في التجارب الروحية”، بحضور الشيخ خالد عدلان بن تونس والكاردينال جون بول فيسكو. وتسلط هذه التظاهرة الضوء على الكيفية التي يعيد بها التصوف تعريف العلاقة مع الآخر في المجتمع، في السياقين الإسلامي والمسيحي.
ينظّم قسم البحث “المخيال والسيرورات الاجتماعية” مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافي “كراسك” بوهران، غدا الاثنين، المنتدى العلمي حول فكر الأمير عبد القادر والقديس أوغسطين، بعنوان “رجال الفضائل والجود: التسامح والعيش المشترك بسلام في التجارب الروحية”.
وتأتي هذه الحلقة النقاشية، المنظمة بالتنسيق مع كرسي اليونيسكو الأمير عبد القادر لحقوق الإنسان وثقافة السلام، في إطار إحياء اليوم الدولي للعيش معا في سلام، والاحتفال بشهر التراث.
ونجد في الجلسة الافتتاحية كلا من الدكتور عمار مانع مدير “كراسك”، والشيخ خالد عدلان بن تونس شيخ الطريقة العلاوية الدرقاوية الشاذلية والمبادر باليوم الدولي للعيش معا في سلام، والكاردينال جون بول فيسكو رئيس أساقفة الجزائر، والأستاذ عبد الوهاب بلغراس مدير قسم قسم البحث المخيال والسيرورات الاجتماعية بكراسك.
كما تتضمن هذه الحلقة النقاشية أربع مداخلات، أولاها بعنوان “الجميل والملائم.. الملمح الأنسي في تصور القديس أوغسطينوس” من تقديم بن مزيان بن شرقي (جامعة وهران 2)، وثانيها مداخلة “التسامح واللاتسامح في فكر القديس أوغستين” ويقدمها محمد حیرش بغداد (كراسك)، أما المداخلة الثالثة فعنوانها “قيم ثقافة السماح ومتطلبات العيش المشترك” لزوبير عروس (جامعة الجزائر 2)، فيما يقدّم عصام طوالبي الثعالبي من جامعة الجزائر 1، ورئيس کرسي اليونيسكو الأمير عبد القادر لحقوق الانسان وثقافة السلام، المداخلة الرابعة تحت عنوان “رواد الحوار الديني في الجزائر: الأمير عبد القادر والشيخ أحمد العلاوي نموذجا”.
ووفقا للجهة المنظمة، تسعى هذه الحلقة النقاشية الموسومة “رجال الفضائل والجود: التسامح والعيش المشترك بسلام في التجارب الروحية”، إلى تحليل الكيفية التي يعيد بها التصوف ـ في السياقين الإسلامي والمسيحي ـ تعريف العلاقة مع الآخر في المجتمع، انطلاقا من سؤال مركزي هو: هل يشكّل التصوّف مجرد خطاب أخلاقي حول التسامح، أم أنه ينتج نمطا خاصا من إدارة الاختلاف يتحوّل إلى ممارسات فعلية للعيش المشترك بسلام؟ مع افتراض أن التصوف لا يختزل التسامح في معنى “تحمّل الاختلاف”، بل يؤسسه علاقة وجودية وأخلاقية مع الآخر، تنعكس اجتماعيا في أشكال التعايش.
وعلى المستوى المفاهيمي، يُفهم التسامح هنا بوصفه إعادة تأويل للاختلاف بما يحدّ من الإقصاء، في حين يُنظر إلى العيش المشترك بسلام باعتباره نظاما من العلاقات اليومية القائمة على الكرم والوساطة والاعتراف العملي بالآخر، وليس مجرد غياب للتوتّر والنزاع. وفي هذا الإطار، تكشف المقاربات الفلسفية أن التصوّف يفتح أفقا خاصا للتسامح، إذ يتأسس (كما عند ابن عربي على سبيل المثال) على تصور للحقيقة يجمع بين الوحدة في الأصل والتعدد في التجلّيات، ما يسمح بدمج الاختلاف ضمن أفق وجودي أوسع، ويؤدي إلى ما يمكن تسميته “تسامحا وجوديا”.
بالمقابل، يرتبط السلام عند أوغسطينوس بفكرة “نظام المحبة”، حيث يتحقق الانسجام من خلال ترتيب العلاقات وفق المركزية الروحية، وهو ما يتيح إمكانية التعايش دون الإقرار بتعدد الحقيقة، كاشفا بذلك عن نمط من التسامح الأخلاقي المنضبط، أما من الناحية السوسيو أنثروبولوجية، فتُظهر التجارب الروحية أنّ التسامح والعيش المشترك لا يُفهمان فقط على مستوى الخطاب، بل يُبنيان عبر الممارسة اليومية والطقوس، مثل الذكر والسماع والضيافة، التي تنتج “جماعات وجدانية” تعيد تشكيل الحدود بين الأنا والآخر.
في هذا السياق، يتحول السلام إلى أسلوب حياة، ويتجسّد في سلوكيات ملموسة قوامها العفو والاحتواء والانفتاح، وعليه، يُنظر إلى التجربة الروحية بوصفها آلية لإنتاج التماسك الاجتماعي، من خلال أخلاقيات المحبة والجود، حيث تسهم في تعزيز التضامن، وتعبّر عن نمط من التديّن الذي يخفّف من حدة النزاعات والتوتّرات، كما ينتج رأسمالا رمزيا قائما على الشرعية الأخلاقية والكرم، بما يتيح “لأهل الفضيلة والجود” أداء أدوار نقل ذاكرة المحبة، وتأسيس نماذج الوساطة الاجتماعية.
وبذلك، يتّضح أن التجربة الروحية تنتج شكلا من التسامح الأخلاقي الذي يعيد تأويل الاختلاف ويحدّ من الإقصاء، وأنّ العيش المشترك بسلام يمثّل النتيجة الاجتماعية لهذه الرؤية، من خلال ممارسات الكرم والوساطة والاحتواء.
وتظلّ التجارب الروحية، رغم قدرتها على إنتاج أشكال من التماسك والتعايش، مشروطة بسياقاتها التاريخية والاجتماعية، ولا تقوم على الأسس الفلسفية والحقوقية المجرّدة التي نجدها في التصوّرات الحديثة، بل تبنى على شبكات أخلاقية ورمزية قابلة لإعادة التشكّل، مما يفتح المجال لأسئلة نقدية حول حدوده وإمكانات تحويل هذه الرؤى والتجارب إلى نماذج مؤسسية في المجتمعات المعاصرة.






