الجمر ليس فقط الاحتراق.. بل هو الجمرة الحية التي تبقى متوهّجة بلطافة النار تحت الرماد، كما تبقى إرادة الإنسان حيّة تحت وطأة الزمن.. في هذه اللوحة للفنان يوسف قومي جرأة تكوينية لا تصدر إلا عن فنان يعرف كيف يوزّع صمته قبل أن يوزّع ألوانه، فالبناء الإنشائي يقوم على محور رأسي طاغ تمثّله الشراعات البيضاء المنتصبة كأعمدة من نور في وسط اللوحة، تشقّ الفضاء الأحمر المتوهّج بثقة تكاد تكون استفزازا جماليا مقصودا، يقابل هذا المحورَ الرأسيَّ مد أفقي هادئ يرسمه انعكاسُ الشراعات على صفحة الماء، فتتشكّل بذلك معادلة بصرية بين العلوّ والانعكاس، بين الطموح وظلّه، بين ما يسعى إليه الإنسان وما يتركه خلفه على وجه الأيام.
القمرُ في الزاوية اليمنى العلوية ليس عنصرا ديكوريا، بل هو ركيزة تكوينية ثالثة تُكمل المثلث الذهبي للعمل، إذ يُشكّل مع رأس الصاري الأعلى وانعكاسه في الماء مسارا بصريا دائريا يجذب العين ويُعيدها إلى مركز الحدث دون أن تشعر بالإكراه، وقد أحسن الفنان في جعل القمر شاهدا لا شريكا، مكتفيا بضوئه الباهت المغمور في حمرة السماء، كأنه يراقب رحلة القِلاع الشاهقة بعين المتأمل “صاحب السر” الذي عرف كل شيء ولم يقل شيئا.
أما لجهة عمق الألوان وأبعادها، فقد سيطر “الأحمر” على هذه اللوحة سيطرة مطلقة لا تشبه الديكتاتورية بقدر ما تشبه الجاذبية.. فرضت قانونها على كل عنصر دون أن تلغيه، والأحمر هنا ليس لونا واحدا بل طيف متدرّج من الكرزي العميق الكامن في الزوايا إلى القاني المتوهّج في قلب السماء، مرورا بالبني الدافئ الذي يلمس حواف الشراعات، هذا الأحمر المركّب يحمل في طياته ثلاثة أبعاد متداخلة:
– البُعد الفلسفي: الأحمر في هذا العمل ليس لون الدم وحسب، بل هو لون القدر، ذلك الفضاء الذي يجد فيه الإنسان نفسه محاصرا بالمصير ومع ذلك يشقّ طريقه، والشراعات البيضاء تصارع هذا الأحمر ولا تُسلّم له، وهذا هو جوهر الحرية كما تفهمها الفلسفة الإنسانية الكبرى.
– البُعد الروحي: في الموروث البصري للشرق، الأحمر هو لون الجلال والهيبة، وقد عرفه المتصوفة لونا للمحبة المتقدة، تلك التي تحرق صاحبها وتنيره في آن واحد، والقمر الشاحب في محيط أحمر هو صورة صوفية بامتياز “النور” المُحاصَر الذي لا يُقهر.
– البُعد الاجتماعي والإنساني: السفينة في بحر أحمر تحت قمر شاهد.. هذه ليست سياحة بحرية، بل هي استعارة كبرى للإنسان العربي الذي يُبحر في أزمنة عاصفة، يشقّ مياه التاريخ المتوهّجة بحثا عن شاطئ ضائع لم يعده أحد، مدفوعا بريح اليقين لا بخارطة الأمان.
أما حضور الأبيضُ في الشراعات ليس نقاء ساذجا، بل هو نور مكتسب بالإصرار، وقد وزّعه الفنان بحكمة بالغة بين الأبيض الناصع في الشراع الرئيسي وبين الأبيض الذهبيّ المُصفرّ في الشراعات الجانبية، ومنه إلى البيج الترابي في أسفل الصواري.. وكأنّ النور يتراجع كلما اقترب من الماء ليعلن أن البياض الكامل لا يسكن الانعكاسات، ولا يمكن أن يُغمَر، بل يسكن العزم وحده.
وفي شرارات الأصفر المبثوثة عند أعلى اللوحة وفي انعكاسات الماء هي نبضات من الوعي والبعث، ذلك الأصفر الحار الذي أشرت اليه مرارا في قراءاتي اللونية إلى أنه.. يحمل الإبداع والوعي والقدرة على الاصطفاء.. وقد وظّفه الفنان توظيفا ذكيا، إذ لم يجعله هيمنة بل جعله توقيعا كالبريق الذي يؤكد أن الرحلة لها غاية تستوجب التأمل من المتلقي.
والعنصر المفاجئ في اللمسات الزرقاء على سطح الماء هي التي أنقذت اللوحة من الاحتراق.. برودة خافتة تهمس أن وراء كل جمر يكمن عمقا، وأن البحر يبقى أكبر من أي عاصفة تجتاحه.
لو أنصتَ له المتأمل بأذن داخلية، لسمع هذه اللوحة تعزف على “مقام الحجاز” بامتياز.. ذلك المقام الذي يجمع بين الشوق والجلال، وبين الألم الكريم والتوق المحترق، الحجاز مقامُ البحر والصحراء معا، مقامُ من يعرف أن الطريق طويل ويمضي، لكنّ اللوحة لا تكتفي بمقام واحد، إذ تنزلق في مقاطعها الإيقاعية نحو “مقام النهاوند” حين يلامس البصر انعكاسات الشراعات في الماء.. ذلك الحزن الجميل الأرستقراطي الذي لا يُسقط صاحبه بل يُعلّمه كيف يحمل جراحه بشموخ، وفي القمر تحديدا، ثمّة لحظة خافتة من “مقام الرست” مقام الطمأنينة البعيدة، ووعد النهاية الهادئة بعد رحلة موجعة.
لقد حمّل الفنان يوسف هذه اللوحة في مضامينها سؤالا وجوديا كبيرا.. هل الإنسان هو الشراعُ الذي يصنع مساره، أم هو الانعكاسُ الذي يتشكّل بقرار الماء؟..
الشراعات البيضاء المنتصبة في مواجهة الأحمر الكوني تقول نحن هنا، ونمضي، والقمر الشاهد يقول أنا أذكر، والماء المُضطرب يقول لكلّ شراع ظل يتبعه، ولكل رحلة أثر يبقى.
إنّ الفنان يوسف قومي في هذه اللوحة لا يرسم بحرا بقدر ما يرسم قصيدة ملحمية بالألوان، وضع فيها الحجاز والنهاوند والرست معا على سطح الماء المشتعل، وترك للمتلقي المتأمل حرية اختيار أي الشراعات يركب وإلى أي شاطئ يبحر.






