اعتبر الفنان التشكيلي الطاهر ومان مؤلفه الموسوم بـ«قافية القافلة.. لوحات مختارة”، محاولة لتوثيق مسار فني امتد لأكثر من خمسين سنة، جامعا بين اللوحات الفنية والقراءات النقدية والشهادات التي رافقت تجربته داخل الجزائر وخارجها.. في هذا الحوار، يتحدث ومان عن خلفيات هذا الإصدار ودلالاته الفنية والإنسانية.
”الشعب”: بداية، هل لكم أن تقدموا لنا نبذة عن إصداركم الموسوم بـ«قافية القافلة – لوحات مختارة”؟
الفنان الطاهر ومان: هذا الكتاب هو ثمرة رحلة فنية وإنسانية طويلة امتدت لأكثر من نصف قرن، حاولت من خلاله أن أوثق جزءا مهما من مساري التشكيلي منذ بداياتي الأولى إلى غاية السنوات الأخيرة. . يضمّ الكتاب 275 لوحة أنجزتها بين1971 و2023، وهو أشبه بمحطة تأمل في التجربة أكثر من كونه مجرد تجميع للأعمال.. حرصت أن تكون الطبعة فاخرة من حيث الإخراج والطباعة، لأن العمل الفني يستحق أن يُقدّم بصورة تحفظ قيمته الجمالية والتوثيقية في آن واحد.
ما الذي يميز هذا الإصدار عن غيره من الكتب الفنية؟
أعتقد أن خصوصيته تكمن في كونه لا يكتفي بعرض اللوحات، بل يفتح مساحة للحوار حول التجربة نفسها، فقد ضمّ الكتاب قراءات نقدية وشهادات وتحاليل كتبها أدباء ونقاد وإعلاميون من الجزائر ومن بلدان عربية وغربية، وهذا ما يمنحه بعدا فكريا وتوثيقيا. أردته أن يكون وثيقة فنية وثقافية تُضيء جوانب مختلفة من تجربتي، وتقدم للقارئ والباحث صورة متكاملة عن التحولات التي عرفها مساري الفني عبر العقود.
كيف أشرقت فكرة إصدار الكتاب؟
الفكرة ليست جديدة، فقد جاءت بعد سنوات من إلحاح عدد من المهتمين والباحثين الذين كانوا يرون أن هذه التجربة تستحق أن تُجمع في مؤلف واحد، ومع مرور الوقت شعرت فعلا بأن من الضروري الحفاظ على هذا الأرشيف الفني من الضياع أو التشتت، خاصة وأن جزءا من الذاكرة التشكيلية الجزائرية يبقى مهدّدا بالنسيان إذا لم يُوثق، لذلك حاولت، رغم صعوبة المهمة استعادة صور اللوحات القديمة، والبحث فيما كُتب عن تجربتي منذ السبعينيات، حتى يكون الكتاب مفيدا للباحثين والطلبة والمهتمين بتاريخ الفن الجزائري.
“قافية القافلة”.. عنوان فيه شيء من الشعرية..
العنوان بالنسبة لي يحمل رمزية كبيرة، القافلة ترمز إلى الرحلة الطويلة التي يخوضها الفنان في الحياة والفن، بما تحمله من تعب واكتشاف وتجارب متراكمة، أما القافية فهي ذلك الإيقاع الداخلي الذي يمنح هذه الرحلة انسجامها واستمرارها.. شعرت أن هذا العنوان يختصر علاقتي بالفن، لأن الفنان يعيش دائما في حالة ترحال روحي وبحث دائم عن المعنى والجمال.
الكتاب يوثّق لمسيرتكم الفنية، ويتضمّن شهادات لعدد كبير من الأسماء في عالم التشكيل..
هذه الشهادات لها قيمة كبيرة بالنسبة إليّ، لأنها تعكس كيف قرأ الآخرون تجربتي الفنية عبر الزمن.. الفنان لا يشتغل في عزلة تامة، بل يتقاطع مع نقاد ومبدعين وأصدقاء وقرّاء يرافقون أعماله ويمنحونها تأويلات مختلفة، لذلك رأيت أن حضور هذه الأصوات داخل الكتاب ضروري، لأنها تشكّل جزءا من “قافلة” التجربة نفسها، وتوثق للحوار الذي نشأ حول أعمالي على مدى سنوات طويلة.
ما يلفت الانتباه، افتتاح الكتاب بخط اليد.. ماذا أردتم القول؟
أردت من خلال هذه الالتفاتة أن أؤكد وفائي للجذور العائلية والثقافية التي أنتمي إليها. جدي الإمام سي الطاهر ومان كان من أهل العلم والخط، وهذا الإرث الروحي والجمالي ترك أثرا عميقا في تكويني الفني منذ الصغر، شعرت أن افتتاح الكتاب بخط يده هو نوع من الاعتراف بالامتداد، وكأنني أقول إن الفن لا يولد من فراغ، بل هو استمرار لذاكرة عائلية وثقافية متوارثة.
الكتاب إضافة قيمة للمكتبة الفنية..
أعتقد أنه سيكون مرجعا مهما، لأنه لا يقدم فقط مجموعة لوحات، بل يوثّق لمرحلة كاملة من تاريخ الحركة التشكيلية الجزائرية، أنا عايشت أجيالا مختلفة من الفنانين واحتككت بتجارب متنوعة داخل الجزائر وخارجها؛ ولذلك حاولت أن يحمل الكتاب هذه الذاكرة الفنية أيضا، أتمنى أن يستفيد منه الطلبة والباحثين، وأن يساهم في تقريب الفن التشكيلي الجزائري من الأجيال الجديدة، خاصة في ظلّ الحاجة إلى مراجع توثق لتجارب الفنانين الجزائريين بشكل جاد ومنهجي.






