الدليل العلمي.. الأمن الرقمي والعمل الجواري ركائز حماية الوطن
جاء العدد الأخير من مجلة «الشرطة» الصادرة عن المديرية العامة للأمن الوطني، محملا برسائل وطنية ومهنية تعكس توجه المؤسسة الأمنية في الجزائر، حيث خصص ملفه الرئيسي لموضوع «الطب الشرعي.. العلم في خدمة التحقيق الجنائي»، إلى جانب قضايا التكوين، التعاون الدولي، مكافحة المخدرات، والرقمنة، في قراءة تؤكد مواكبة الجهاز للتحولات الأمنية والعلمية الحديثة، ضمن رؤية تجمع بين البعد الأمني، العلمي، والتواصلي، بإبراز التحولات العصرية التي يشهدها القطاع على أكثر من صعيد.
استهل العدد بكلمة لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بمناسبة الذكرى 64 لعيد النصر، حملت مضامين وطنية قوية تمجد تضحيات الشعب الجزائري وتربط بين أمجاد الثورة ومسار بناء الجزائر الجديدة، وركزت الكلمة على أهمية تعزيز الاقتصاد الوطني وتقوية مؤسسات الدولة في ظل التحديات الراهنة، مع التأكيد على الوفاء لرسالة الشهداء وصون السيادة الوطنية.
كما أبرزت المجلة البعد الاستراتيجي الذي تنتهجه المديرية العامة للأمن الوطني في مجال مكافحة الجريمة، من خلال تخصيص ملف متكامل حول الطب الشرعي ودوره المحوري في التحقيقات الجنائية، بالانتقال من أساليب التحقيق التقليدية إلى الاعتماد على الأدلة العلمية والتقنيات الحديثة في كشف الجرائم، بما يعزز دقة التحريات ويرفع من كفاءة العدالة الجنائية.
ويعكس هذا الاختيار وعيا متزايدا بأهمية الدليل العلمي في فك خيوط الجرائم، خاصة مع تطور أشكال الجريمة وتعقدها.
أما ملف مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية تحت عنوان: «الإستراتيجية الوطنية للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية»، فقد جاء ليعكس أحد أكبر التحديات التي تواجه المجتمع الجزائري في المرحلة الراهنة، من خلال تخصيص حيز هام لهذا الموضوع، لتؤكد أن مكافحة المخدرات لم تعد مجرد مهمة أمنية، بل معركة مجتمعية تتطلب تضافر جهود مختلف القطاعات.
وأبرز العدد كذلك، اهتمام المؤسسة الأمنية بتطوير قدراتها البشرية والميدانية، حيث تناولت المجلة عمليات تخرج دفعات جديدة من أعوان الشرطة، وهي خطوة تعكس استمرار سياسة تدعيم الموارد البشرية وتأهيلها.
كما توقفت عند إحياء اليوم العالمي للمرأة، في إشارة إلى المكانة التي أصبحت تحتلها المرأة الشرطية داخل الجهاز الأمني، سواء في العمل الميداني أو الإداري، ويعكس هذا الحضور النسوي المتزايد محاولة المؤسسة تقديم صورة أكثر انفتاحا وحداثة، خاصة وأن المرأة أصبحت تؤدي أدوارا متقدمة في مجالات الأمن والتحقيق والتواصل.
وفي السياق ذاته، أولت المجلة أهمية كبيرة لمسألة العصرنة، من خلال الحديث عن تدشين مرافق ومنشآت شرطية جديدة، بما في ذلك مقرات أمنية ومراكز خدمات، وهذا التوجه لا يرتبط فقط بتحسين ظروف العمل، بل يدخل أيضا ضمن سياسة تقريب الإدارة الأمنية من المواطن وتحديث الخدمة العمومية، فالشرطة وفق الخط التحريري للمجلة، تسعى إلى الجمع بين الفعالية الأمنية وتحسين جودة الخدمة، وهو ما يظهر أيضا في التركيز على الرقمنة وتبسيط الإجراءات.
وخصص العدد مساحة معتبرة للتعاون الدولي، حيث تم التطرق إلى زيارات وتبادلات مع هيئات شرطية وأمنية أجنبية، خاصة في مجالات الشرطة العلمية والتكوين، ما يعكس إدراكا متزايدا للطابع العابر للحدود الذي أصبحت تكتسيه الجريمة المنظمة، ما يفرض على أجهزة الأمن تعزيز التنسيق الدولي وتبادل الخبرات.
ومن خلال هذا الطرح، تقدم المجلة صورة لشرطة جزائرية منفتحة على التجارب العالمية وتسعى إلى مواكبة المعايير الحديثة في العمل الأمني.
وفي الجانب الوقائي، ركزت المجلة على عدد من المواضيع التحسيسية ذات الصلة المباشرة بحياة المواطن اليومية، مثل أخطار غاز أحادي أكسيد الكربون، والسلامة المرورية، وحماية الأطفال في الفضاء الرقمي، وهي قضايا تعكس اتجاها واضحا نحو تكريس مفهوم «الشرطة الجوارية»، التي لا تقتصر مهامها على التدخل الأمني فقط، بل تمتد إلى التوعية والوقاية والمرافقة الاجتماعية.
كما أن إدراج هذه المواضيع ينسجم مع التحولات الحديثة في مفهوم الأمن، الذي أصبح يرتبط أكثر بحماية الفرد والمجتمع من مختلف المخاطر اليومية.
ولم يخل العدد من البعد الثقافي والفكري، حيث ضمت المجلة مقالات حول الذكاء الاصطناعي، أهمية اللغات الأجنبية في مهنة الشرطة، وهي مواضيع تشكل منبرا معرفيا يواكب القضايا العالمية والتحولات التكنولوجية والفكرية التي تؤثر بشكل أو بآخر على العمل الأمني.



