الاعتداء على جنــــاح الجزائر باليونسكــــو لــن يمرّ دون عقـاب
محاولات مخزنية يائســـة للسطو علــى الذاكــرة الثقافيـــة للجــزائـريـين
زغــــدودي لـ«الشعــــب»: العاجزون عن الإبداع يستهدفون مقومـات الهويــة الجزائــريــة
أيهــا المخـــازنيــة.. لا شرف لسارقــــي التاريخ والعاجزين عــن الإبـــداع
جاء الاعتداء الذي استهدف الجناح الجزائري المقام بمقر اليونسكو، في باريس، خلال الأسبوع الإفريقي، ليعيد طرح ملف حماية التراث الوطني في فضاء يفترض أن يكون مخصّصا للتبادل الثقافي والحوار بين الشعوب، فالجناح الجزائري لم يكن موجّها لإثارة أي سجال سياسي، إنما كان يعرض جزءا بسيطا من الذاكرة الثقافية الجزائرية الثرية، من لباس تقليدي، وحلي، وصناعات فنية، ومكوّنات هوياتية تشكّلت عبر قرون بالمجتمع الجزائري، وتوارثتها الذاكرة الجزائرية في مختلف مناطق الوطن.
تعكس إدانة سفارة الجزائر بفرنسا لهذا الاعتداء بـ»أشد العبارات» خطورة نقل الخلافات السياسية إلى فضاءات ثقافية أممية، كما تؤكّد أنّ الأمر لم يعد يتعلق بمشاكسات كلامية أو حملات رقمية، إنما تصاعد إلى سلوك ميداني يمسّ عارضين جزائريّين جاؤوا لتقديم صورة عن بلدهم في إطار رسمي.
ولقد شدّدت السفارة على دعمها للعارضين الجزائريّين، وعلى استعدادها لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الرعايا الجزائريّين، وهو موقف يعبّر عن ضرورة التعامل بصرامة مع كل فعل يستهدف الجزائريّين أو يحاول تعطيل حضورهم في التظاهرات الثقافية الدولية.
ولا يمكن فهم ما حدث بمعزل عن المحاولات المتكرّرة للسطو على عناصر من التراث الجزائري أو التشويش عليها، فخلال السنوات الأخيرة، تواترت ممارسات مخزنية تسعى إلى نسب العديد من المكونات الثقافية الجزائرية إلى جهات أخرى، سواء تعلق الأمر باللباس التقليدي، أو الموسيقى الشعبية، أو الحرف، أو بعض الرموز المرتبطة بالذاكرة الجماعية، وهذه المحاولات لا تقوم في الغالب على بحث علمي أو توثيق تاريخي، إنما تركب حملات منظمة، تستعمل أحيانا واجهات إعلامية ورقمية، وتلجأ – في بعض الأحيان – إلى الاستفزاز المباشر.
إنّ الدّفاع عن مقومات الهوية الوطنية، بالنسبة للجزائر، يتجاوز الانفعال المؤقّت، بحكم أنه رهان على التوثيق العلمي الرّصين، والعمل المؤسّساتي المحكم، بمشاركة الباحثين والحرفيّين والمهتمين في المنابر الدولية، كما أنّ التراث الجزائري ليس مادة دعائية مؤقتة، ولا تفاخرا فارغا في العالمين، فهو يمثل امتدادا اجتماعيا وثقافيا له شواهده في المدن والقرى والعائلات والأسواق القديمة، وفي الممارسات اليومية التي ما تزال حية إلى يوم الناس هذا، ويمكن أن يكتشفه زائر الجزائر بسهولة؛ لذلك، فإنّ محاولة «سرقة» التراث واقتلاعه من سياقه الجزائري أو إدخاله في سجالات مصطنعة، لن يغيّر شيئا من حقيقته، وسيبقى جزائري الهوية، جزائري الروح وجزائري المقام، ومع هذا، ينبغي التصدي للمؤامرات الصغيرة، باليقظة الدائمة من أجل حماية تراثنا التليد، وتقديمه إلى الأمم في أبهى صوره، بعيدا عن التشويه الذي يفرضه عليه السراق ومن يحسّون بالنقص في مادة الإبداع.
وأكّد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور محمد زغدودي، في تصريح لـ»الشعب»، أنّ المخزن «معروف عنه هذه الممارسات الصبيانية»، وأضاف أنّ «سارقي التاريخ والعاجزين عن الإبداع لا شرف لهم»، واعتبر أنّ استهداف التراث الثقافي الجزائري ليس أمرا جديدا، فهو يندرج ضمن سلوك قديم يقوم على محاولة نسبة ما أبدعه الجزائريّون إلى غير أصله، ليشير – في هذا الصدد – إلى محاولات ربط أغنية الراي بغير بيئتها الجزائرية، رغم أنّ هذا الفن نشأ وتطوّر داخل المجتمع الجزائري، وحمله فنانون جزائريّون إلى العالم، والعالم أجمع يعلم أنه جزائري. ويرى زغدودي أنّ ما يجري في المجال الثقافي ليس معزولا عن حملات أوسع تستهدف صورة الجزائر ومنجزاتها، فالتشويش – يقول محدثنا – يمتد إلى قطاعات الفلاحة والصناعة والتعدين، حيث يتم توظيف منصّات إعلامية ورقمية للتقليل من المشاريع الوطنية أو التشكيك في نتائجها، وأضاف أنّ هذه الممارسات تقترب في مضمونها من منطق سياسي معاد، لأنها لا تكتفي بالخلاف مع الدولة الجزائرية في ملفات سياسية، إنما تتّجه إلى استهداف مقوّمات الهوية الوطنية ومحاولة ضرب ثقة المواطن في بلده.
وفي سياق متصل، تظهر هذه الحملات كل عام تقريبا عند الحديث عن حصاد القمح في الجنوب الجزائري مثلا، خاصة في ولايات مثل أدرار، فبدل التعامل مع تطور الفلاحة الصّحراوية في الجزائر بوصفه تحوّلا اقتصاديا قائما على الاستثمار واستغلال الموارد وتوسيع المساحات المسقية، تُروّج جهات محسوبة على المخزن المغربي روايات تشكّك في الصور والمشاهد القادمة من الجنوب، وتصل أحيانا إلى الإدعاء بأنها مصنوعة بالذكاء الاصطناعي، ويكشف هذا الخطاب صعوبة تقبّل المخزن لواقع الاستثمار الجديد بالجزائر، مع أنه بعيدا عنه، ولا يمسّه من قريب ولا بعيد، غير أنّ الجزائر العظيمة لا تعبأ بترّهات الصبية، وتمضي بخطوات واثقة نحو تحويل الصّحراء إلى قاعدة مهمة في تحقيق أمنها الغذائي.
إنّ حادثة اليونسكو في باريس تكشف لنا جانبا من معركة أوسع، تتّصل بحماية التراث الوطني، وصون الذاكرة، والدفاع عن صورة الجزائر في الخارج، والرّد الأكثر فاعلية هو الاستمرار في العمل الثقافي المنظم، وتوثيق عناصر التراث، ودعم الحرفيّين والفنانين والباحثين، وتعزيز حضور الجزائر في المؤسّسات الدولية، كما أنّ حماية المنجز الوطني يمرّ عبر تقديم المعطيات الدقيقة للمواطن، حتى لا تترك الساحة للشائعات والحملات الموجّهة.




