ملتزمون بتسريع مسار التكامل وبناء اقتصاد موحد قائم على الاستدامة
دعم مبادرات تسوية النزاعات سلميا وترسيخ الحوار واحترام السيادة
الرهان اليوم هو التنمية الشاملة وتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية
تحديات متزايدة تتطلب مزيدا من التكتل والتنسيق والعمل الجماعي
استحضار روح المشروع الإفريقي التحرري الذي انطلق من أجل إنهاء الاستعمار
أحيت وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، الذكرى 63 ليوم إفريقيا، التي تصادف تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، تحت شعار “استدامة المياه: ضمان توافر المياه بشكل مستدام وأنظمة صرف صحي آمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063”.
وقد أشرف على هذه الاحتفالية وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، بحضور وزير الري وأعضاء من الحكومة، إلى جانب دبلوماسيين وسفراء وأعضاء من السلك الدبلوماسي المعتمد بالجزائر.
وفي كلمة ألقاها بالمناسبة، أكد وزير الدولة، أحمد عطاف، أن إحياء الذكرى 63 ليوم إفريقيا يأتي هذا العام في ظرف دولي بالغ التعقيد، تتداخل فيه الأزمات الجيوسياسية مع التحولات الاقتصادية العميقة، ما يجعل القارة الإفريقية أمام تحديات متزايدة تتطلب مزيدا من التكتل والتنسيق والعمل الجماعي.
وأوضح عطاف أن هذا الموعد القاري، الذي يخلّد تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، لا يمكن اختزاله في بعده الرمزي أو الاحتفالي، بل هو محطة سياسية وفكرية لإعادة استحضار روح المشروع الإفريقي التحرري، الذي انطلق من أجل إنهاء الاستعمار، واستعادة السيادة، وبناء دول وطنية قادرة على حماية مصالح شعوبها، ثم تطور لاحقا نحو مسار أوسع يتعلق بالاندماج والتكامل وبناء إفريقيا الموحدة.
وأضاف الوزير أن الرهان اليوم لم يعد فقط رهان التحرر السياسي، وإنما رهان التنمية الشاملة وبناء اقتصاد إفريقي قوي ومتكامل، قادر على خلق الثروة وتوفير فرص العمل، والاستجابة لتطلعات أجيال شابة تمثل القوة الحقيقية للقارة، في ظل ما تزخر به إفريقيا من طاقات بشرية وموارد طبيعية هائلة، تجعلها مؤهلة لتكون أحد أهم أقطاب الاقتصاد العالمي في المستقبل.
وشدد عطاف على أن تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي يمر حتما عبر تعزيز الاندماج الاقتصادي القاري، وتفعيل آليات التعاون بين الدول الإفريقية، ودعم منطقة التجارة الحرة القارية باعتبارها أحد أهم المشاريع الهيكلية التي من شأنها تغيير ملامح الاقتصاد الإفريقي، وفتح آفاق جديدة للتبادل والاستثمار والتكامل بين مختلف دول القارة.
كما توقف الوزير عند موضوع هذه السنة، المتعلق بـ”استدامة المياه وضمان توافرها بشكل مستدام وأنظمة صرف صحي آمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063″، مؤكدا أن هذا الشعار يعكس إدراكا عميقا لأهمية المياه كعنصر استراتيجي لم يعد يرتبطا فقط بالجانب البيئي أو الصحي، بل أصبح مرتبطا بشكل مباشر بالأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، والنمو الاقتصادي، بل وحتى السلم والأمن في العديد من مناطق القارة.
وأشار عطاف إلى أن التحديات المرتبطة بالمياه في إفريقيا تتفاقم بفعل التغيرات المناخية، وتزايد الطلب السكاني، وضعف البنى التحتية في عدد من الدول، ما يستدعي استجابات إفريقية جماعية، تقوم على تقاسم الخبرات، وتطوير الاستثمارات في مجال السدود، وتحلية المياه، وشبكات التطهير، إلى جانب تعزيز الحوكمة الرشيدة لهذا المورد الحيوي.
وفي حديثه عن دور الجزائر، أكد الوزير أن الجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، جعلت من البعد الإفريقي خيارا استراتيجيا ثابتا في سياستها الخارجية، من خلال دعم جهود التكامل الإقليمي، وتكثيف التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف مع الدول الإفريقية، فضلا عن المساهمة في إنجاز مشاريع كبرى ذات بعد قاري، خاصة تلك المتعلقة بالبنى التحتية والطاقة والنقل.
كما أبرز عطاف أن الجزائر تواصل لعب دور نشط داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي، سواء عبر المساهمة في تعزيز العمل المؤسسي القاري، أو من خلال دعم المبادرات الهادفة إلى تسوية النزاعات بالطرق السلمية، وترسيخ ثقافة الحوار، وإعلاء مبادئ احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وفي السياق ذاته، جدد عطاف التأكيد على ثوابت الموقف الجزائري تجاه مختلف الأزمات الإفريقية، مشيرا إلى أن الجزائر تضع دائما مصلحة الشعوب الإفريقية واستقرار الدول فوق أي اعتبارات أخرى، وتدعو باستمرار إلى حلول سياسية سلمية جامعة، بعيدة عن منطق الإملاءات أو التدخلات الخارجية.
كما اعتبر الوزير أن القضايا الأمنية في القارة، من الساحل إلى القرن الإفريقي، مرورا بأزمات أخرى معقدة، تؤكد أن الاستقرار الإفريقي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مقاربة إفريقية خالصة، تستند إلى حلول نابعة من داخل القارة نفسها، وتراعي خصوصياتها وتوازناتها.
وشدد عطاف على أن إفريقيا تقف اليوم أمام فرصة تاريخية حقيقية لإعادة صياغة موقعها في النظام الدولي، والتحول من قارة تعاني من التحديات إلى قارة تصنع الحلول، وتفرض حضورها في الاقتصاد والسياسة الدوليين، مؤكدا أن ذلك لن يتحقق إلا بتوحيد الجهود، وتكريس روح التضامن الإفريقي، والإيمان بأن مستقبل القارة يصنعه أبناؤها بإرادتهم الحرة.



