تأطير قانوني.. حمايـــة الرّمــوز ومنع إنكار الجرائم أو تبريرها أو تمجيدها
استرجـــاع الأمـــوال المنهوبــة واسترداد القيــم الماديــة والمعنويــة المسلوبــة إلى خــارج الجزائـــر
استعادة الأرشيف الوطني باعتباره ملكا خالصا للشعب الجزائري وجزءا لا يتجزأ من ذاكرته الوطنية
المستعمـر منظومــة عنــف منظمـة استهدفـت الأرض والإنســان والهويـة والــثروة
صدر في العدد الأخير من الجريدة الرّسمية خلال الأيام القليلة الماضية، قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر، حيث أصبح نصّا قانونيا واضحا حول واحدة من أكثر المراحل بشاعة في تاريخ الجزائر الحديث، وهي مرحلة بدأت من سنة 1830 وانتهت باسترجاع السّيادة الوطنية بشكل كامل في 5 جويلية 1962، غير أنّ آثارها الإنسانية والمادية والمعنوية امتدت إلى ما بعد ذلك بكثير..
يكتسي قانون تجريم الاستعمار أهمية كبرى من كونه ينقل الذاكرة الوطنية من مستوى الشهادة التاريخية إلى مستوى التأطير القانوني، بما يسمح بتوصيف الأفعال، وترتيب المسؤوليات، وحماية الرموز، ومنع إنكار الجرائم أو تبريرها أو تمجيدها.
وينص القانون في مادته الثانية على أنّ الاستعمار الفرنسي للجزائر يعد جريمة دولة، لما انطوى عليه من انتهاك للمبادئ والقيم الإنسانية والسياسية والاقتصادية والثقافية المكرّسة في القوانين والمواثيق والأعراف الوطنية والدولية، وهذا التوصيف له دلالة عميقة، لأنه لا يتعامل مع الاستعمار كمرحلة إدارية أو عسكرية كما تسعى لتوصيفه بعض الأدبيات الغربية، بل كمنظومة عنف منظمة استهدفت الأرض والإنسان والهوية والثروة والذاكرة، وكذلك تؤكّد المادة الثالثة مسؤولية الدولة الجزائرية في كشف الحقائق التاريخية المتعلقة بالاستعمار الفرنسي ونشرها، بما يجعل البحث في هذه المرحلة جزءا من واجب مؤسّساتي مستمر، يتجاوز كونه اهتماما مؤقّتا أو عملا أكاديميا حرّا ومحدودا.
مسؤولية لا يمحوها الزمن
يُبرز القانون بشكل واضح وبدون أي لبس في مادته الرابعة، قائمة واسعة من الأفعال والممارسات التي تعد من جرائم الاستعمار، وهي قائمة تكشف طبيعة المشروع الاستعماري في الجزائر باعتباره مشروعا اعتمد القوة المسلّحة، والقمع السياسي، والتفكيك الاجتماعي، والاستيلاء الاقتصادي، ومحاولة طمس الهوية الوطنية. فقد نصّ القانون على أفعال من بينها العدوان على الدولة الجزائرية، القتل العمدي، توجيه الهجمات العسكرية ضدّ السكان المدنيّين، الاستخدام المفرط للقوة المسلّحة، استعمال الأسلحة غير التقليدية والمحرّمة دوليا، زرع الألغام، إجراء التجارب الكيميائية والتفجيرات النووية، الإعدام خارج نطاق القانون، السيطرة على حوزة الدولة الجزائرية، والنهب الممنهج للثروات.
ويورد القانون ممارسات التعذيب الجسدي والنفسي، التمييز العنصري، الحرمان المتعمد من الحقوق الأساسية، النفي خارج الوطن، التهجير إلى السّجون والمعتقلات، العمل القسري، تجميع السكان المدنيين في المحتشدات، التجنيد الإجباري في القوات المسلّحة الفرنسية، إنشاء المحاكم الخاصة دون ضمانات قضائية، تدمير الممتلكات أو مصادرتها، الحرمان من حرية الرأي والتعبير، الحرمان من الحق في التعليم، الاعتداء على الحريات الدينية وحرمة الحياة الخاصة، الاعتداء على شرف وكرامة الأشخاص، الاغتصاب والاستغلال الجنسي، ومحاولات تخريب دور العائلة والتضييق على الهوية الوطنية.
هذه التفاصيل القانونية التي تضمّنها النص مقصودة والهدف منها توضيح هذه الأمور أمام الرأي العام الوطني والدولي، وتقديم صورة مركّبة عن الاستعمار الفرنسي للجزائر، حيث لم يكن فعلا عسكريا محدودا، بل منظومة شاملة استعملت وسائل مادية وغير مادية لإخضاع المجتمع، من الأرض إلى اللغة، ومن التعليم إلى الملكية، ومن الجسد إلى الذاكرة.
وفي سياق متّصل، فإنّ إدراج التفجيرات النووية والتجارب الكيميائية والألغام ضمن الجرائم يبين أنّ آثار الاستعمار لم تنته بمجرّد خروج قواته، لأنّ كثيرا من هذه الممارسات تركت أثقالا صحية وبيئية وإنسانية ممتدة، وهو ما يفتح الباب أمام مقاربة قانونية وإنسانية تعتبر أنّ بعض الجرائم، وعلى رأسها جرائم الإبادة والجرائم الجسيمة ضدّ الإنسانية، لا يمكن أن تسقط أخلاقيا أو تاريخيا أو قانونيا بمجرّد مرور الزمن.
كما أنّ القانون لا يكتفي بتجريم الفعل الاستعماري في ذاته، بل يتّجه إلى منع تمجيده أو تبريره أو التشكيك في جرائمه، حيث تتعلّق المادة الخامسة بمنع الإشادة بجرائم الاستعمار أو التحريض عليها أو تبريرها أو إنكارها بأي وسيلة كانت، سواء بالقول أو الكتابة أو الرّسم أو الإشارة أو عبر الوسائط الحديثة. وهذا الجانب لا يستهدف النقاش التاريخي الجاد، بل يحمي المجال العام من تحويل الجريمة إلى موضوع للتطبيع أو التبرير، ويحافظ على حق المجتمع في ذاكرة سليمة قائمة على الوقائع والوثائق والشهادات.
حماية الهوية الوطنية
لعلّ أبرز أبعاد القانون أنه يربط بين الذاكرة والحقوق، وبين التاريخ والسيادة، فالمواد الواردة في الفصل الثالث تحمّل الدولة الفرنسية المسؤولية القانونية عمّا ارتكبه الاستعمار في الجزائر، كما تنص على سعي الدولة الجزائرية، بكل الوسائل الدبلوماسية والقانونية والقضائية، إلى رفع الشّكاوى أمام الجهات المختصة ضدّ الاستعمار الفرنسي عن جرائمه. كذلك تشير المواد إلى العمل من أجل تنظيف مواقع التفجيرات النووية والمواقع الملوّثة، وتسليم خرائط مواقع التجارب النووية والكيميائية والبيولوجية والألغام، وتعويض ضحايا هذه التفجيرات والألغام، وهي مطالب تتصل مباشرة بالحق في الصحة والبيئة والحقيقة.
بالإضافة إلى ذلك، ينص القانون على استرجاع الأموال المنهوبة، واسترداد القيم المادية والمعنوية المسلوبة إلى خارج الجزائر، بما في ذلك الأرشيف الوطني باعتباره ملكا خالصا للشعب الجزائري وجزءا لا يتجزّأ من ذاكرته الوطنية، كما ينص على العمل من أجل استرجاع رفات الشّهداء ورموز المقاومة والحركة الوطنية والثورة التحريرية المدفونة في أرض أجنبية. وهنا تظهر أهمية القانون باعتباره أداة لحماية الذاكرة من النسيان، واستعادة عناصرها المادية والرمزية، لأنّ الأرشيف والرفات والخرائط والوثائق تعتبر مفاتيح لفهم التاريخ وإنصاف الضحايا وتثبيت حق الأجيال الجديدة في معرفة ما حدث، وحتى المطالبة بالتعويضات المناسبة.
كما يتضمّن القانون أحكاما جزائية ضدّ الأفعال التي تمجّد الاستعمار أو تسيء إلى رموز المقاومة والثورة أو تشكّك في المجازر والجرائم الاستعمارية، مع تشديد العقوبات في بعض الحالات، خاصة عند استعمال وسائل الإعلام والاتصال أو عندما تقع الأفعال داخل مؤسّسات تربوية أو علمية أو إعلامية. ويهدف هنا إلى حماية الفضاء العام من خطاب يمسّ بالذاكرة الوطنية أو يفرغ الجرائم من معناها، مع الحفاظ على قيمة البحث العلمي المسؤول الذي يقوم على الوثيقة والتحليل الجاد.
وبشكل عام، يمثل قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر تثبيتا قانونيا لرؤية وطنية تعتبر أنّ السيادة لا تكتمل فقط بحماية الحدود والمؤسّسات، بل تتعداها لتشمل كذلك حماية الذاكرة والهوية والكرامة التاريخية للجزائريّين. فقد فشل الاستعمار في الماضي في تجريد الجزائريّين من أرضهم وانتمائهم، وفشلت سياساته في إنهاء الشخصية الوطنية، رغم ما استعمله من قمع وتجويع وتهجير وتعذيب ومحو ثقافي، وجاء هذا القانون ليؤكّد أنّ قوة الشعب الجزائري لم تكن في المقاومة المسلّحة وحدها، بل كذلك في قدرته على حفظ هويته، وصيانة ذاكرته، وتحويل تاريخه إلى وعي قانوني ومؤسّساتي ينصف الماضي ويحمي المستقبل.


