في مقاربة عادات عيد الأضحى وطقوس وسنن التعامل مع الأضحية لدى فلسطينيي الداخل، لا يستقيم الاكتفاء بوصف المشهد في حدوده الظاهرة بوصفه تراثا فولكلوريا أو ممارسة اجتماعية متوارثة، بل يتعيّن النفاذ إلى بنيته العميقة حيث تتقاطع الشعائر والسنن المستحبة الدينية مع الذاكرة الجمعية، ويتحوّل الفعل التعبّدي إلى خطاب ثقافي متجذّر في الوعي والهوية.
إنَّ الأضحية في هذا السياق لا تقرأ وتفهم بوصفها ذبحا موسميا، وإنما بوصفها استعادة رمزية لامتحان الإيمان الأول، حيث يتجلّى مبدأ التسليم المطلق في قصة النبي إبراهيم عليه السلام: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾، لتغدو الأضحية ذروة الامتثال الإيماني، لا مجرد طقس عابر.
وتتجاوز ضمن هذا الأفق الدلالي، الأضحية في المجتمع العربي داخل الخط الأخضر حدودها المادية، لتتحوّل إلى مركز رمزي يلتف حوله البناء الأسري، حيث تستعاد عبرها شبكة القيم التي تؤطر العلاقة بين الإنسان ومحيطه.
فقبل لحظة الذبح تستقبل الأضحية كما يستقبل الضيف حيث تربط في فناء البيت، وتمنح عناية خاصة ولو لزمن قصير، وهذا يعكس تصورا ثقافيا يحمّل الأضحية وظيفة رمزية تتجاوز وجوده الفيزيائي!
وينشأ في هذا الإطار الأطفال على تماس مباشر مع هذه التجربة المركّبة، حيث تتشكّل لديهم حساسية مبكرة إزاء ثنائية الألفة والفقد، وهي ثنائية لا تفهم إلا في ضوء المعنى القرآني الذي ينقل الفعل من مستوى الممارسة إلى أفق القصد: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾.
ولا تنفصل عن الإطار الضابط، التي تطبق ضمن حدود دينية واضحة، مثل التسمية ويعود ذلك إلى وعي ديني واجتماعي شكّل عبر تجربة تاريخية طويلة جعلت من التمسك بجوهر الشعائر أولى من زخرفتها، فبقيت الأضحية مرتبطة بفعل الذكر والتكبير، امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾.
تبدأ طقوس العيد قبل يومه بأيام، وحينها تتحوّل الأسواق إلى فضاءات نابضة بالحياة، يقصدها الناس لاختيار الأضاحي في علاقة تتجاوز منطق البيع والشراء إلى منطق المعرفة والثقة المتراكمة بين المربين والمشترين، وفي حالات كثيرة، تجلب الأضحية إلى البيت حيث تنشأ علاقة وجدانية بينها وبين أفراد العائلة، خصوصا الأطفال في مشهد يزاوج بين البعد التربوي والوجداني، ويهيئ الوعي الجمعي لتلقي معنى الفداء بوصفه تجربة معيشة لا مجرد مفهوم نظري.
تدخل البيوت ليلة العيد في حالة استعداد قصوى، وتنظَّف فيها المساحات وتهيَّأ أدوات الذبح، وتُشحذ السكاكين بعناية استجابة للتوجيه النبوي الذي يدعو إلى الإحسان حتى في فعل الذبح نفسه، ويترافق ذلك مع تجهيزات موازية تقوم بها النساء، تتصل بإعداد مستلزمات الطهي، إدراكا لما سيحمله صباح العيد من كثافة في الفعل والعمل.
ومع انبلاج صباح العيد وبعد أداء الصلاة، تبدأ لحظة الذبح التي تتخذ طابعا جماعيا واضحا ومنتشرا خاصة في القرى والبلدات، حيث تنجز في ساحات البيوت وفي أماكن مفتوحة قريبة عليها بحضور الجيران والأقارب، في مشهد يعكس بنية التضامن الاجتماعي المتجذّرة في الثقافة الفلسطينية داخل الـ48.
وينجز ذلك بوصف هذه الشعائر من السنن ممارسة جماعية تتوزع فيها الأدوار، من تثبيت الأضحية إلى تقطيعها، بما يعيد إنتاج مفهوم “الفزعة” بوصفه قيمة حية.
ومن بين الطقوس المتصلة بهذه اللحظة أيضا إعداد كبدة الأضحية فور الذبح، حيث تطهى بسرعة وتقدَّم في جلسة عائلية أولى، تختلط فيها نكهة الطعام بإحساس الاكتمال الطقسي، فيكون ذلك أول تعبير عملي عن الانتقال من الفعل الشعائري إلى الفعل المعيشي.
أما تقسيم اللحم، فيحمل بعدا أخلاقيا مركزيا، إذ ينجز بدقة وعناية، وتُعدّ حصص متساوية توزَّع على الأقارب والجيران والمحتاجين والعائلات المستورة، في ممارسة تجسّد المعنى القرآني للإطعام: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.
وتنقل في كثير من الحالات هذه الحصص إلى بيوت المحتاجين دون إعلان وبسرية تامة حفاظا على كرامتهم، مما يكشف عن حساسية اجتماعية عالية تدرك أن العطاء لا يكتمل إلا بصون كرامة المتلقي.
وتضطلع النساء بدور محوري في هذه المرحلة، إذ يقمن بتنظيف اللحم وفرزه وتخزينه، إلى جانب إعداد الأطباق التقليدية التي تختلف من منطقة إلى أخرى، لكنها تلتقي في كونها تعبيرا عن الكرم والاحتفاء. فالمائدة هنا ليست مجرد فضاء للأكل، بل امتداد للمعنى الرمزي للأضحية، حيث يتحول اللحم إلى وسيلة للتواصل الاجتماعي.
وبعد انتهاء الذبح، تبدأ حركة الزيارات وتفتح البيوت، وتقدَّم القهوة العربية، وتتبادل أطباق الحلويات والمأكل والمشرب، فيتحوّل العيد إلى شبكة من العلاقات المتجدّدة تعيد وصل ما قد يكون انقطع خلال العام وربما الأعوام! ولا تغيب عن هذا المشهد دلالات التضامن الأوسع حيث يحرص على إيصال جزء من الأضحية إلى عائلات الأسرى أو الشهداء، بوصف ذلك فعل وفاء يتجاوز البعد الفردي إلى البعد الوطني.
ومع التحولات التي فرضتها الحداثة برزت أنماط جديدة في أداء الشعائر السنية المحببة لدى المسلمين ومنها: “اللجوء إلى المسالخ المنظمة”، غير أن ذلك لم يُفضِ إلى انقطاع كامل مع النمط التقليدي فما زال كثيرون يحرصون على الحفاظ على الحدّ الأدنى من الطابع الجماعي، إدراكا لما يحمله من قيمة رمزية لا يمكن تعويضها.
ويكشف العيد في المقابل عن تفاوتات اجتماعية قائمة، إذ تعجز بعض الأسر عن اقتناء الأضحية، وهو ما قد يترك أثرا نفسيا، خاصة لدى الأطفال، علما أن المجتمع طوّر آليات تضامن فعّالة، من خلال لجان الزكاة وأطر التكافل، التي تعمل على سد هذا النقص، تحقيقا لمقصد العيد في إشاعة المشاركة وليس الامتلاك.
وعلى الرغم من التغيرات التي طرأت على بعض الممارسات، فإن جوهر الشعائر ظل ثابتا لأنه مؤسس على نص ديني حي يمنحه قدرة دائمة على التجدّد وهي أركان الإسلام الخمسة ومن هنا ينظر إلى عادات التعامل مع الأضحية في الداخل الفلسطيني بوصفها نصا ثقافيا مفتوحا يعاد إنتاجه كل عام التزاما بما ينصّ عليه ديننا الحنيف، وفي تفاعل مستمر بين الثابت الديني والمتحوّل الاجتماعي، حيث تتجاور الآية مع التجربة، ويتحوّل العيد إلى لحظة يعيد فيها الإنسان تعريف علاقته بذاته وبالآخر، على أساس ما يبذله من معنى وتقوى، لا ما يقدمه من نواحي مادية.






