جئت إلى الدنيا ولم تكن لك ذاكرة تعود إليها، كأن الزمن حين مرّ على باب روحك نسي أن يترك لك مفتاحا.
كان الآخرون يحملون أوطانهم في صدورهم، إذا اشتاقوا أغمضوا أعينهم فرأوا شجرة كانت تميل على سطح بيتهم، أو نافذة كانت تنتظر وجوههم أو صوتا قديما لامرأة عجوز تناديهم كما لو أن العمر لم يمض.
أما أنت…
فحين أغمضت عينيك بحثا عن الماضي، لم يخرج إليك بستان، ولم تخرج رائحة خبز، ولم تركض في ذاكرتك خطى طفل صغي،
خرج كوخ وحيد.
كوخ لم يكن بيتا، بل كان شاهدا صامتا على عمر مر قبل أوانه. جدرانه لم تحفظ ضحكات الأطفال، بل حفظت أنفاسا خائفة، وأحلاما وقفت عند الباب ولم يسمح لها بالدخول.
يا ابن الغياب…لا تسأل لماذا لم تمنحك الأرض ما منحته لغيرك.
فالأرض لا توزع أسرارها بعدل بين أبنائها، بعضهم ترضعهم من حليب الذاكرة، وبعضهم تسقيهم من ماء النسيان. فبعض البشر يولدون مرتين:
مرة حين تفتح أعينهم على العالم،
ومرة حين يكتشفون أنهم لم يكونوا يوما جزءا من العالم الذي حولهم.
وأنت ولدتَ يوم خرجتَ من ذلك الكوخ.
لم تخرج منه بجسدك فقط، بل خرجت حاملا جدرانه في قلبك، تحمل برد الحجارة، ورائحة الليل، وأصوات الذين لم يجدوا من يسمعهم.
يا ابن الغياب…
لا تظن أن الذين يملكون ذكريات كثيرة هم الأغنى.أحيانا تكون الذاكرة قصرا يسكنه الإنسان، وأحيانا تكون قيدا من ذهب.
أما أنت، فقد حُرمت القصر، لكنك تعلمت كيف تبني سماءك بيديك.
لقد حاول الغياب أن يجعلك فراغا، فلم يعرف أنه كان يصنع منك امتلاء لا يشبه أحدا.
حاول أن يمحو اسمك، فحولك إلى أثر.
حاول أن يجعلك بلا جذور، فأصبحتَ أنت الجذر الذي تبحث عنه الأشجار حين تخاف السقوط.
يا ابن الغياب…
سيأتي يوم يقف فيه الذين ورثوا البيوت أمامك، ويسألونك:
أين وطنك؟
فلا تشير إلى أرض بعيدة، ولا إلى بابٍ قديم. ضع يدك على صدرك وقل: هنا.
هنا المكان الوحيد الذي لم يستطع أحد أن يأخذه مني.
فأنا لم أرث بيتا من الطين…
أنا ورثت القدرة على النجاة.
ومن بين كل الذين حملوا مفاتيح الأبواب،كنت أنا الوحيد الذي تعلم كيف يفتح بابا لا يراه أحد.
باب اسمه: الإنسان..







