فضاءات تجمع بين التعليم والتوجيه وغرس القيم الدينية
تعرف المدارس القرآنية عبر مختلف مساجد ولاية سطيف إقبالا متزايدا من الأطفال الراغبين في حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ الدين الإسلامي، مع بداية العطلة الصيفية، في ظلّ حرص متزايد من الأولياء على استثمار أوقات فراغ أبنائهم داخل فضاءات تربوية تجمع بين التعليم والتوجيه وغرس القيم الإسلامية.
يؤكد عدد من الأولياء لـ «الشعب» أن المدارس القرآنية أصبحت من أبرز الوجهات التي يقصدها الأطفال خلال العطلة الصيفية، لما توفره من بيئة تربوية آمنة تسهم في استثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع، وتبعدهم عن الإفراط في استعمال الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية.
وتشهد مختلف بلديات الولاية إقبالا لافتا على المدارس القرآنية، التي تستقبل الأطفال خلال الفترتين الصباحية والمسائية، حيث يواكبهم المؤطرون في حفظ القرآن الكريم وتعلم أحكامه ومبادئ الدين الإسلامي، بما يعزز دور هذه المؤسسات في مرافقة الأسرة وتحصين الناشئة من مختلف السلوكيات والآفات الاجتماعية.
الامــام دنفـير: حــب الأطفـال لكتاب اللـه يزيـــد مــن اقبالهــم علـــى المــدارس الصيفيــة
وفي هذا السياق، أوضح الإمام عبد الحميد دنفير، إمام مسجد عمر بن عبد العزيز بسطيف، أن الإقبال على المدارس القرآنية وأقسام التعليم القرآني بالمساجد يزداد بشكل ملحوظ خلال العطلة الصيفية، مرجعا ذلك إلى حب الأطفال لكتاب الله، وإلى تفرغهم بعد انتهاء الموسم الدراسي، فضلا عن التحفيزات التي ترصدها المدارس القرآنية بدعم من المحسنين.
وأضاف الإمام أن المدارس القرآنية تساهم بشكل كبير في ملء أوقات فراغ الأطفال، وتعويضهم عن الإدمان على الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدا أن هذه الفضاءات التربوية أصبحت حصنا يحمي الناشئة من مختلف الآفات التي تهددهم.
ودعا الإمام عبد الحميد دنفير الأولياء إلى استغلال هذه الفضاءات التربوية وتشجيع أبنائهم على الالتحاق بها، حتى يستفيدوا من تعليم القرآن الكريم وما يصاحبه من تربية على الأخلاق والقيم، إلى جانب إبعادهم عن كل ما يشغلهم ولا ينفعهم، كالإدمان على الهواتف الذكية، بل وحتى الوقوع في بعض الآفات الخطيرة كالمخدرات وما شابهها.
وأشار إلى أن المؤطرين داخل المدارس القرآنية يعتمدون أساليب تربوية حديثة في تعليم القرآن الكريم، تقوم على الترغيب والتحفيز وربط الناشئة بكتاب الله، مع تنظيم أنشطة تربوية وترفيهية تجعل الطفل يقبل على المسجد برغبة واقتناع، فيجد فيه بيئة تجمع بين التربية والتعليم والترفيه الهادف.
أكـثر مـن 98 ألف مستفيــد مـن مرافق التعليـم القـرآني
من جهته، أكد الدكتور فاتح لعرابة، رئيس مصلحة التعليم القرآني والتكوين بمديرية الشؤون الدينية والأوقاف لولاية سطيف، أن المديرية تحرص كل عام، ممثلة في مصلحة التعليم القرآني والتكوين، على التحضير الجيد للموسم الصيفي للمدارس القرآنية، تنفيذا لتوصيات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف.
وأوضح أن مرافق التعليم القرآني بالولاية تشهد إقبالا واسعا من مختلف الفئات العمرية، حيث يستفيد منها الأطفال، والتلاميذ، والطلبة الجامعيون، والمتفرغون، وكبار السن، إضافة إلى الدارسين في أقسام محو الأمية.
وأضاف أن عدد أطفال التعليم القرآني في مرحلة ما قبل التمدرس يفوق 27 ألف طفل، فيما يقدّر عدد التلاميذ المتمدرسين في الأطوار التعليمية الثلاثة بحوالي 41 ألف تلميذ وتلميذة، إلى جانب 6515 طالبا جامعيا، ليصل مجموع الطلبة المتمدرسين إلى أكثر من 48 ألف مستفيد.
وأشار إلى أن التعليم القرآني يضمّ كذلك نحو 200 طالب متفرغ داخلي، وحوالي 6600 طالب متفرغ خارجي، إضافة إلى قرابة 8000 من كبار السن، و8710 دارسين في أقسام محو الأمية، ليبلغ العدد الإجمالي للمستفيدين من مرافق التعليم القرآني عبر ولاية سطيف 98867 مستفيدا، مع توقّع ارتفاع هذا العدد خلال الفترة المقبلة في ظل الإقبال المتزايد على التعليم القرآني.
وأكد الدكتور لعرابة، أن المديرية تسخر جميع الإمكانات المادية والبشرية لإنجاح الموسم الصيفي، من خلال تجنيد الأئمة، وأعوان المساجد، ومعلمي القرآن الكريم، والمرشدات الدينيات، والمتطوعين، بما يضمن استقبال أكبر عدد ممكن من الأطفال في أفضل الظروف.
أكثر من 50 مدرسة قرآنية و10 زوايا و1656 قسما قرآنيا
وأضاف الدكتور فاتح لعرابة، أن مديرية الشؤون الدينية والأوقاف تمنح تراخيص استثنائية خاصة بالمدارس القرآنية الصيفية، بما يضمن استقبال أكبر عدد ممكن من الأبناء والبنات، مشيرا إلى أن الموسم الصيفي ينطلق مع نهاية شهر ماي، ويستمر خلال شهري جوان وجويلية، وقد يمتد في بعض الحالات إلى منتصف شهر أوت، حسب برنامج التأطير المعتمد.
وأوضح أن مرافق التعليم القرآني بالولاية تضمّ المدارس القرآنية بأصنافها المختلفة، منها المدارس الملحقة بالمساجد، وأخرى مستقلة عنها، إلى جانب الزوايا، والأقسام المسجدية، والحلقات القرآنية التي تقام داخل مرافق المساجد، كمصليات النساء وغيرها من الفضاءات المهيأة لتعليم القرآن الكريم.
وأشار إلى أن عدد المدارس القرآنية عبر الولاية يفوق 50 مدرسة، مع توقّع ارتفاع هذا العدد وفق آخر الإحصاءات، إضافة إلى 10 زوايا تؤدي أدوارا تعليمية واجتماعية، وتسهم في تعليم القرآن الكريم وإصلاح ذات البين وخدمة المجتمع.
كما تضمّ الولاية أكثر من 1656 قسما قرآنيا موزعة عبر ما يزيد عن ألف مسجد، وهو ما يعكس اتساع شبكة التعليم القرآني بولاية سطيف، ويؤكد المكانة التي يحتلها تعليم القرآن الكريم داخل المساجد.
أما فيما يتعلق بالتأطير، فأكد المتحدث أن أكثر من 2000 مؤطر من الموظفين والمتطوعين يشرفون على مختلف مرافق التعليم القرآني، يمثلون مختلف أسلاك القطاع، من أئمة بمختلف رتبهم، ومرشدات دينيات، وأساتذة التعليم القرآني، ومؤذنين، وقيّمين، وقائمين بالإمامة، إلى جانب مؤطري أقسام محو الأمية، بما يضمن مرافقة تربوية وتعليمية للمستفيدين طوال السنة.
وأضاف أن سطيف تعد من الولايات الرائدة وطنيا في مجال التعليم القرآني، بفضل النتائج المشرفة التي يحققها أبناؤها في مختلف المسابقات الوطنية والدولية، بحصولهم على مراتب متقدمة في حفظ القرآن الكريم وترتيله وتجويده وتفسيره، فضلا عن تمكّن عدد منهم من جمع القراءات العشر، وهو ما يعكس المستوى المتميز الذي بلغته مدارس التعليم القرآني بالولاية.
وأوضح الدكتور فاتح لعرابة أن المدرسة القرآنية الصيفية تحظى بعناية خاصة من طرف مديرية الشؤون الدينية والأوقاف، حيث تسخر لها جميع الإمكانات المادية والبشرية، تنفيذا لتعليمات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، لضمان نجاح هذا الموسم التربوي.
وأشار إلى أن عدد المنتسبين إلى المدارس القرآنية الصيفية خلال الموسم الماضي بلغ نحو 74 ألف طالب وطالبة، أشرف على تأطيرهم حوالي ألف مؤطر من مختلف الرتب والأسلاك، مؤكدا أن المديرية تتوقّع ارتفاع عدد المنتسبين خلال الموسم الحالي، مع طموح لبلوغ 80 ألف مستفيد، بل والوصول إلى 90 ألفا أو حتى 100 ألف مستفيد، في ظلّ الإقبال المتزايد على تعلم القرآن الكريم.
وأضاف أن المديرية تحرص، بالتنسيق مع الجمعيات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني والمحسنين والسلطات المحلية، على تكريم الطلبة الذين يتمكنون من حفظ خمسة أحزاب فأكثر من القرآن الكريم، مشيرا إلى أن الموسم الماضي عرف تكريم 5732 طالبا وطالبة، بقيمة إجمالية بلغت نحو مليار و700 مليون سنتيم، على أن يتمّ الإعلان عن الحصيلة النهائية للموسم الحالي بعد استكمال الإحصاءات الواردة من مختلف مرافق التعليم القرآني.
وأكد أن المدارس القرآنية لا تقتصر رسالتها على تحفيظ القرآن الكريم، وإنما تهدف أيضا إلى ترسيخ الأخلاق الفاضلة، وتعزيز المرجعية الدينية الوطنية، واستثمار أوقات الفراغ، وحماية الناشئة من التأثيرات السلبية لبعض محتويات مواقع التواصل الاجتماعي.
وأضاف أن هذه المدارس تفتح أبوابها يوميا من بعد صلاة الفجر إلى غاية صلاة العشاء، حيث يتمّ تنظيم المستفيدين في أفواج وفق برامج تتناسب مع ظروفهم وأوقاتهم، مع تكثيف دروس الحفظ والمراجعة.
كما تتضمّن برامجها أنشطة تربوية وترفيهية متنوعة، من بينها الأمسيات القرآنية، والدورات الرياضية، والرحلات، والمخيمات القرآنية، بما يسهم في كسر الروتين، وتنمية شخصية الطفل، وتعزيز ارتباطه بكتاب الله تعالى.
وفي ختام تصريحه، أكد الدكتور فاتح لعرابة أن من أبرز مؤشرات نجاح التعليم القرآني بولاية سطيف هو الإقبال المتزايد على المدارس القرآنية عاما بعد عام، إلى جانب النتائج المشرّفة التي يحقّقها الطلبة في مختلف المسابقات الولائية والوطنية والدولية.
وأشار إلى أن مديرية الشؤون الدينية والأوقاف تواصل تنظيم الزيارات الميدانية لمختلف المدارس القرآنية عبر الولاية، للوقوف على حسن سير النشاط ومرافقة المؤطرين، كما تحرص على تكريم المتفوقين وحفظة كتاب الله، بالتنسيق مع المحسنين والجمعيات الدينية والسلطات المحلية، تشجيعا لهم على مواصلة مسيرتهم في حفظ القرآن الكريم، وتعزيز ارتباطهم بالمسجد، وحمايتهم من مختلف الآفات الاجتماعية.







