ليس الخامس من جويلية مجرد تاريخٍ عابرٍ في رزنامة الأيام، ولا ذكرى تُستحضر ثم تمضي مع مرور الزمن، بل هو نبض قلب الجزائر الذي ما زال يخفق بمعاني الحرية والكرامة والسيادة.
إنه اليوم الذي استعاد فيه الوطن صوته بعد سنوات طويلة من الألم والاستعمار، وارتفعت فيه راية الجزائر عالية في سماء المجد، معلنة ميلاد أمة كتبت استقلالها بحبر الدم وتضحيات الشهداء.
في الخامس من جويلية عام 1962، لم تنتصر الجزائر لنفسها فقط، بل قدّمت للعالم درساً خالداً في إرادة الشعوب حين تتمسّك بحقها في الحياة والحرية. لقد تحولت الأرض الجزائرية إلى ملحمة إنسانية عظيمة، امتزج فيها الألم بالأمل، والدموع بالبطولة، حتى صار الاستقلال حقيقة سطرتها تضحيات أكثر من مليون ونصف المليون شهيد.
ولعلّ ما يمنح هذا التاريخ مكانته الاستثنائية أن الخامس من جويلية لا يرمز فقط إلى استقلال الجزائر، بل يوافق أيضاً الخامس من جويلية عام 1830، اليوم الذي بدأت فيه حقبة الاحتلال الفرنسي للجزائر. وبين التاريخين تمتد رحلة طويلة من المعاناة والمقاومة والصمود، لتأتي لحظة الاستقلال وكأنها انتصار للتاريخ والعدالة، واستعادة للسيادة الوطنية في اليوم ذاته الذي حاول فيه المستعمر أن يطوي صفحة الحرية الجزائرية. وهكذا تحوّل الخامس من جويلية من ذكرى للألم إلى عيد للمجد والانتصار، ومن تاريخ للاحتلال إلى تاريخ للحرية والاستقلال.
وعندما نقف أمام هذا التاريخ المجيد، فإننا لا نستحضر حدثاً سياسياً فحسب، بل نستعيد وجوهاً صنعت تاريخ الجزائر بدمائها وتضحياتها. فمن الأمير عبد القادر، الذي أرسى اللبنات الأولى للمقاومة الوطنية، إلى كريم بلقاسم ورفاقه من قادة الثورة الذين حملوا راية التحرير حتى فجر الاستقلال، وصولاً إلى المناضلات الخالدات جميلة بوحيرد، وجميلة بوعزة، وحسيبة بن بوعلي، اللواتي جسّدن شجاعة المرأة الجزائرية وإرادتها الصلبة. تلك أسماء أصبحت رموزاً مضيئة في سجّل النضال الوطني، وما هي إلا نماذج من جيش كبير من الرجال والنساء الذين صنعوا أسطورة التحرر الجزائرية. والقائمة تطول بأبطال وشهداء نقشوا أسماءهم في ذاكرة الوطن، ليؤكدوا أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بإرادة لا تنكسر وعزيمة لا تلين.
الجزائر ليست مجرد مساحة جغرافية على خريطة العالم، بل هي ذاكرة نضال وهوية صمود وقصة شعب رفض الخضوع. ومن جبال الأوراس إلى سهول الوطن الممتدة، ما زالت أصداء الثورة الجزائرية تروي للأجيال معنى الانتماء الحقيقي، وتؤكد أن الشعوب التي تحفظ تاريخها قادرة على صناعة مستقبلها.
وفي هذا اليوم الخالد، نقف بخشوع وإجلال أمام أرواح الشهداء الذين صنعوا فجر الاستقلال، ونرفع رؤوسنا احتراماً لكل من ضحى من أجل أن تبقى الجزائر حرة أبية. نستذكر أسماءً خلدها التاريخ، وأخرى بقيت مجهولة في سجلات البشر لكنها محفوظة في ذاكرة الوطن ووجدان أبنائه.
لقد أثبتت الجزائر أن الحرية ليست شعاراً يُرفع، بل قيمة تُصان بالتضحيات والعمل والبناء. ومن حق الأجيال الجديدة أن تفخر بهذا الإرث العظيم، وأن تحافظ على الأمانة التي تركها الشهداء، فالأوطان التي رويت بدماء أبنائها تستحق الوفاء والازدهار.
وفي ذكرى الاستقلال، لا نملك إلا أن نردد بكل فخر ومحبة: الجزائر حب لا يموت، ووطن لا يُباع، وأرض لا تُداس. ستبقى الجزائر شامخة بتاريخها، عظيمة بشعبها، وفية لشهدائها، تحمل راية الحرية جيلاً بعد جيل، وتكتب في كل يوم صفحة جديدة من صفحات المجد والعزة.
المجد والخلود لشهداء الجزائر، والرحمة لأرواحهم الطاهرة، ولتبقَ الجزائر دائماً وأبداً أرض المليون ونصف المليون شهيد، ومنارة للحرية والكرامة في وجدان الأمة والإنسانية.






