تجاوز تصدير الخام هـــو المفتــاح لبنـــاء نسيـــج صناعــي تحويلــي منافــس
وفـــرة الطاقــــة والأراضي.. بيئـة حاضنة للصناعــات التحويليــــة والغذائيــــة
توقّع الخبير الاقتصادي إبراهيم قندوزي، أن يقفز الجنوب الجزائري الذي يخوض حاليا تحوّلا تنمويا استراتيجيا، نحو ديناميكية منجمية ومعدنية، وبناء منظومة صناعية محلية تحوّل المواد الخام إلى سلع مصنّعة عالية القيمة المضافة، بما يعزّز خلق الثروة، ويحقّق التنمية المحلية الفارقة في المعركة الاقتصادية، ويساهم في تنويع الاقتصاد الوطني، انسجاما مع رؤية رئيس الجمهورية الحريص على بناء نموذج اقتصادي جديد يقوم على تكامل القطاعات الاقتصادية واستدامة روافد التنمية في الجزائر المنتصرة.
يعرف الجنوب الجزائري الكبير ديناميكية اقتصادية غير مسبوقة ينتظر منها إعادة تشكيل الخريطة الإنتاجية الوطنية، وذلك وفق مقاربة تكاملية تلامس جوهر التحول الهيكلي المنشود.. هذا ما أكّده أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة تيزي وزو، إبراهيم قندوزي، الذي يؤكّد أنّ هذه النهضة تقوم على رؤية استراتيجية متعدّدة الأبعاد تضع الفلاحة الصّحراوية في قلب أولوياتها، حيث سجّل القطاع قفزة نوعية ملموسة خلال السنوات الأخيرة، وبفضل التوجه الصارم نحو توسيع الزراعات ذات الأهمية الاستراتيجية، والاستغلال العقلاني للمساحات الشاسعة، واعتماد منظومات المكننة والتقنيات الزراعية المتطورة، تحوّلت ولايات كانت تصنّف تاريخيا ضمن المناطق شبه القاحلة إلى أحواض إنتاج كبرى، ما جعل من بسكرة وورقلة وغرداية والمنيعة ووادي سوف، دعامات حقيقية للأمن الغذائي الوطني، وأسهم بشكل فعّال في تقليص الفجوة بين العرض والطلب وتحقيق الاكتفاء الذاتي في سلسلة واسعة من المحاصيل الحيوية.
وأكّد الخبير الاقتصادي أنّ رهان التهيئة العمرانية وتوسيع النشاط الاقتصادي في الجنوب الجزائري سيتحقّق عن طريق تطوير البنى التحتية، معتبرا أنّ إنجاز مشاريع السّكك الحديدية يشكّل ركيزة أساسية في تهيئة البيئة الاقتصادية وجذب المستثمرين لإطلاق مشاريع جديدة تعزّز من قوة المنطقة، وأبرز أنّ المشاريع الكبرى تولّد خدمات مرافقة وتثري النسيج الاقتصادي المحلي، مشيرا إلى أنّ توفّر البنى التحتية يعد شرطا جوهريا لاستقطاب الاستثمار، لأنّ النشاط الاقتصادي الكثيف يساهم في جذب السكان وتوطينهم، ممّا يعزّز الحضور الاقتصادي في الجنوب ويضفي بعدا استراتيجيا إضافيا في تقوية المناطق الحدودية بالتنمية والازدهار.
وفي سياق استراتيجية التعاون والشراكات التي تنتهجها الجزائر لتحقيق التوازن الجهوي، قال الخبير قندوزي إنّ مشروع أنبوب الغاز الهيكلي الرابط بين نيجيريا والجزائر، يدخل في صلب سياسة رفع الإنتاج الطاقوي، ما يرسّخ مكانة الجزائر كمركز إقليمي محوري لتجارة الغاز، ويمنحها قدرة تفاوضية واقتصادية إضافية على المستويين الإقليمي والدولي، ويعزّز دورها كفاعل أساسي في معادلة الأمن الطاقي العالمي.
ازدهــــار بعمـــــق الصّحـــراء
في قراءة معمّقة لمسار تنمية الجنوب، ربط البروفسور قندوزي بين الطفرة الزراعية ومشروع حيوي لا يقل وزنا استراتيجيا، يتمثل في إعادة هيكلة البنى التحتية وشبكات النقل التي تعمل كشرايين ناظمة للتنمية الإقليمية. واعتبر أنّ النهضة الحالية في هذا المجال تعدّ استثمارا جوهريا في تكامل جميع ولايات الوطن، وتيسير انسياب السلع والخدمات، حيث يمثل الخط الحديدي الغربي الرابط بين وهران وتندوف، نموذجا يعكس هذا التوجه، لما يحمله من قدرة على فكّ العزلة المكانية وخلق روابط اقتصادية متينة بين ولايات الوطن والمراكز الإنتاجية.
ولا يقتصر هذا الأثر على الشق الغربي وحده، يقول محدثنا، باعتبار أنه يمتد ليشمل مشروع السّكة الحديدية الطموح الذي يربط العاصمة بولاية تمنراست، أو ما يطلق عليه بالحلم الاستراتيجي، وهو في الوقت الراهن يتجسّد كواقع قادر على إحداث تحول اجتماعي واقتصادي جذري في عمق الصّحراء، من خلال تسهيل الحركة التجارية، وتقريب الخدمات، وخلق دينامكيات تنموية متشابكة تستشرف مستقبل المناطق الداخلية.
ويتقاطع هذا المسار مع محورين آخرين يضيفان عمقا استراتيجيا لمعادلة التنمية، وهما القطاعان الطاقوي والمنجمي، حيث أكّد قندوزي أنّ الجزائر حقّقت إنجازات هامة على صعيد الاكتشافات والمشاريع البترولية والغازية، ولم تعد تقتصر على الأحواض التقليدية في الجنوب الشرقي وحدها، فقد امتدت لتشمل الجنوب الغربي، ما يعزّز من رسوخ الجزائر كفاعل طاقوي إقليمي ذي قدرة تنافسية عالية.
وبالموازاة مع ذلك، أشار الخبير قندوزي إلى أنّ الثروات المعدنية أصبحت تدمج ضمن رؤية صناعية أوسع تهدف إلى تنويع القاعدة الإنتاجية، وبناء سلاسل قيمة مضافة، وخلق فرص تشغيل مستدامة تمكّن المناطق الجنوبية من التحول إلى محرّكات نمو حقيقية.
وخلص البروفسور قندوزي إلى القول إنّ كل ذلك يفضي إلى بناء نموذج تنموي متكامل، يمهّد لبروز اقتصاد ناشئ مرن قادر على الصمود أمام التقلّبات الخارجية، حيث تتحوّل الصّحراء من فضاء شاسع إلى أقطاب ضخمة للابتكار والإنتاج، ما يضع الجنوب الكبير على سكة الازدهار المستدام ويؤسّس لمرحلة جديدة من الاستقلال الاقتصادي والتنمية المتوازنة، التي تعكس إرادة وطنية صلبة في بناء المستقبل.
زخـم الشراكــات الاستراتيجيــة
يرى قندوزي أنّ القطاع المنجمي والمعدني يشكّل المحور الأبرز الذي يجسّد الطفرة النوعية والتنمية المتسارعة بالجنوب الجزائري، حيث عادت الدولة الجزائرية بقوة خلال السنوات الأخيرة لإعادة إحيائه عبر إطلاق حزمة من المشاريع الاستراتيجية، وفي مقدّمتها مشروع غارا جبيلات الواقع في الجنوب الغربي، والذي يعد من أكبر الاحتياطات العالمية لخام الحديد، ومن شأنه تحويل هذه المنطقة إلى ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية الوطنية. وقال الخبير إنّ هذا المشروع يحمل أبعادا تنموية متعدّدة، بدءا من رفع حجم إنتاج خام الحديد بما يساهم في تخفيض فاتورة الاستيراد ويفتح آفاقا للتحوّل نحو التصدير، مرورا بتوليد آلاف مناصب العمل المباشرة وغير المباشرة التي تنعش النسيج الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة، وبالإضافة إلى تحقيق التوازن التنموي من خلال دمج الجنوب في ديناميكية النمو الوطني، كما أوضح أنّ رؤية رئيس الجمهورية تؤكّد على ضرورة تجاوز منطق تصدير المواد الخام، والانتقال نحو بناء نسيج صناعي محلي يحول هذه الثروات إلى منتجات مصنّعة تحقّق قيمة مضافة عالية، وهو ما يعزّز من فرص إنشاء صناعات تحويلية وميكانيكية متقدمة، مثل صناعة معدات السّكك الحديدية، بالاستناد إلى خامات غارا جبيلات.بالإضافة إلى البعد المنجمي، وقف الخبير عند المشاريع المهيكلة ذات الشراكة الأجنبية التي تعكس زخم التنمية في الصّحراء الجزائرية، بما تتوفّر عليه من مقوّمات تنافسية تتمثل في وفرة الطاقة، والثروات المعدنية، والأيدي العاملة، والمساحات الشاسعة، وتشكّل بيئة حاضنة لمختلف الصناعات التحويلية والغذائية، خاصة في ظل النهضة الفلاحية التي تشهدها المنطقة، والتي تتيح فرصا واعدة لإنشاء وحدات صناعية لتحويل الخضر والفواكه إلى منتجات مصبّرة ذات قيمة تسويقية عالية.




