مشروع «بلدنا»… قطب تنموي لإعمار الجنوب وبعث تنمية مستدامة
يعيش الجنوب الجزائري الكبير، اليوم، ثورة تنموية على نفس القدر من المساواة مع شمال البلاد، بفضل مقاربة اقتصادية تقوم على الاستغلال الأمثل للمقدّرات المحلية، أقرّها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، لتحقّق عدالة تنموية وتكاملا اقتصاديا بين الشمال والجنوب. مقاربة ترجمتها اليوم النتائج المسجّلة على مستوى العديد من الولايات الجنوبية، من خلال مشاريع هيكلية كبرى وشراكات أجنبية، ستمكّن الجزائر في غضون أقلّ من سنتين من تحقيق الأمن الغذائي للبلاد، بقيمة مضافة معتبرة لمساهمة الجنوب الكبير في القطاع الفلاحي.
تطرّق رئيس المنظمة الوطنية للفلاحة والأمن الغذائي، كريم حسن، في اتصال مع «الشعب»، إلى واقع الجنوب الكبير الذي يعيش اليوم، ثورة تنموية غير مسبوقة ترعاها إرادة سياسية قوية لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، أقرّ من خلالها توجّها تنمويا قوامه الإنصاف الجهوي والعدالة الاستثمارية بين الشمال والجنوب، مع احترام الخصوصية الجغرافية لكل منطقة وما تمتلكه من موارد طبيعية، مشيرا إلى ما يزخر به الجنوب الكبير للبلاد، من فرص استثمارية بالنظر إلى المساحات الشاسعة من الأراضي التي باتت تشكّل ساحة استثمارية بامتياز في مجال الفلاحة، ومحل تنافس كبرى الشركات العالمية في هذا المجال.
ما يرفع من قيمتها الاستثمارية وحظوظها في استقطاب الشركاء الأجانب – يقول كريم حسن – هو تلك الموارد المائية الجوفية المحدودة، التي تشكّل ثروة مائية كامنة، إضافة إلى الثروات المعدنية ومكامن الطاقة من نفط وغاز، إضافة إلى مصادر الطاقة المتجدّدة من طاقة شمسية ورياح، نظرا لعدد الأيام المشمسة بالجنوب خلال السنة والمساحة الواسعة التي تغطيها.
وفيما يتعلق بالاستراتيجية التنموية التي باشرتها الجزائر، منذ خمس سنوات، بالجنوب الكبير، توقّف الخبير الفلاحي عند فاعل محوري بالمعادلة التنموية، وهو المورد البشري، حيث ثمّن تمسّك المواطن الصّحراوي ببيئته رغم قساوتها ووفائه للأرض، ما جعل سكان الصّحراء يمتلكون معارف محلية زراعية ورعوية يمكن استثمارها ضمن مقاربة تنموية مستدامة وشاملة، من خلال وضع خارطة طريق إنمائية زراعية متكاملة تضع الجنوب في صلب التنمية الوطنية، مع ضمان حماية البيئة، وتعزيز الأمن الغذائي، وخلق مناصب عمل مستدامة.
الجنوب الكبير.. محور عمل إنمائي
بخصوص الرؤية الاستراتيجية لتنمية المناطق الجنوبية، شدّد الخبير الفلاحي على ضرورة الاعتماد على نهج تكاملي إقليمي يربط بين الزراعة، الموارد المائية، الطاقة، النقل، والصناعة الغذائية، مع اعتبار الجنوب قطبا استراتيجيا للاكتفاء الغذائي الوطني والتصدير يقوم على تنمية القاعدة الإنتاجية، والمحافظة على الموارد الطبيعية، خلق فرص عمل، واللامركزية الإدارية الاقتصادية، كما شدّد على تحديد مناطق حيوية بالولايات الجنوبية والأحواض المائية، على أساس اختبارات بيئية وجيوتقنية لتشكيل أقطاب زراعية متخصّصة وفق معايير مضبوطة، مثل المساحات المروية، الزراعة الجافة، البساتين، البقوليات، إنتاج الأعلاف، تربية المواشي وغيرها. ولأنه لا يمكن لأي مخطّط زراعي النجاح دون بنية تحتية متكاملة من شبكة طرقات متفرعة، غرف تبريد ومخازن حبوب، وهو ما عكفت السلطات العمومية على تعزيزه من خلال بناء عدة مخازن لتخزين الحبوب.
أقطاب فلاحية وفق الخصوصية
في خضم الحديث عن التخصّص وما له من إيجابيات اقتصادية، اقترح كريم حسن تقسيم الجنوب إلى أقطاب متخصّصة، ذكر منها قطب الواحات وإنتاج التمور، قطب المراعي وتربية المواشي، وقطب الزراعة المروية بمحاذاة الأحواض المائية، وقطب الإنتاج الصناعي الزراعي بمحاذاة المراكز الحضرية وشبكات النقل، حيث سيكون لكل قطب متخصّص سلاسل قيمة محدّدة، من إنتاج، تجفيف، تعبئة، تحويل، تسويق، وتصدير. كما ركّز كريم حسن من موقع الخبير الفلاحي، على ضرورة ضمان إدارة رشيدة للموارد المائية مع حصر دقيق للمخزون المائي الجوفي وضبط الري بالتنقيط أو الرّي بالرّش، أو إعادة استخدام المياه المعالجة. بالمقابل، دعا كريم حسن إلى الاستثمار في رأس المال البشري من خلال برامج تكوين متدرّج، من تكوين مهني للفلاحين في تقنيات الري والبيئة، وتكوين مهندسين محليّين في مراقبة الجودة والتحكّم في التلوث وتحفيز الشباب على الاستثمار في المجال الفلاحي، من خلال منح للمشاريع الزراعية الناشئة، وقروض مصغّرة، ومراكز دعم أعمال في كل قطب مع الانفتاح، في نفس الوقت على الشراكات العالمية، مثمّنا في السياق ذاته ما تبذله السلطات العمومية بقيادة رئيس الجمهورية، من مجهودات من أجل إدماج الولايات الجنوبية بما فيها الحدودية ضمن المشروع الوطني التنموي.
موثوقية البيئة الاستثمارية..
بالعودة إلى المقاربة التنموية الجزائرية في شقّها المتعلق بالشراكات الأجنبية، أكّد كريم حسن أنها تقوم على إعمار المناطق الجنوبية وتطوير مستوى التنمية بها وربطها بالمناطق الشمالية، من خلال حركية اقتصادية منبثقة عن دخول عدة مشاريع شراكة مع كبرى الشركات العالمية في مجال الفلاحة، على غرار الشريك القطري من خلال مشروع «بلدنا»، لتربية الأبقار الحلوب وإنتاج الحليب المجفّف، بولاية أدرار، الذي سيدخل حيّز الخدمة الفعلي نهاية 2026، حيث سيكون المشروع، بوابة لبعث مشاريع البنى التحتية، من شبكات طرقات برية وسكك حديدية تربط المناطق المحاذية للولاية بقاعدة الحياة التي يتواجد بها المشروع.
مشاريع جهوية بأبعاد عالمية
عن القيمة الاقتصادية للمشروع، أفاد كريم حسن أنه يهدف إلى تغطية 50 بالمائة من احتياجات الجزائر من مسحوق الحليب، بما يعزّز الأمن الغذائي ويقلّص التبعية للواردات، حيث تشير الإحصائيات الرّسمية المتداولة حول ذات المشروع، الذي سيتم باستثمار إجمالي يصل إلى 3.5 مليار دولار، أنه سيمكّن من استحداث أكثر من 15 ألف منصب عمل خلال مرحلة التنفيذ، ما يجعله ضمن قائمة المشاريع الاستراتيجية الكبرى، حيث تعود 51 بالمائة من الأسهم للشريك القطري في حين تعود 49 بالمائة للطرف الجزائري، ويقع المشروع – بحسب المعطيات التي أدلى بها المتحدث – على مساحة شاسعة تقدّر بـ17 ألف هكتار مقسّمة إلى ثلاث أقطاب رئيسية، قطب يتضمّن مزارع لإنتاج الحبوب والأعلاف لتغذية الأبقار، وقطب يتضمّن مزارع لتربية الأبقار وإنتاج الحليب واللحّوم، وقطب خاص بإنتاج الحليب المجفّف من خلال مصنع لإنتاج الحليب المجفّف ومشتقاته، ومن المتوقّع أن يدخل المشروع حيّز الإنتاج الفعلي، سنة 2026، بعد إبرام الاتفاق الرّسمي بين البلدين، لإطلاق المشروع الذي ستصل طاقته الإنتاجية إلى 200 ألف طنّ من مسحوق الحليب المجفّف/سنويا، بحلول السنة التاسعة من المشروع، وسيمكّن من تلبية 50 بالمائة من احتياجات الجزائر من مسحوق الحليب، وإنتاج ما يعادل 84 ألف رأس من العجول، مرشّحة لبلوغ 270 ألف رأس، خلال السنة التاسعة من بداية الإنتاج، ما يعزّز تلبية حاجة السوق المحلية من اللحّوم الحمراء، وبالتالي يمكن للمشروع أن يحقّق التوازن بين العرض والطلب في سوق اللحوم المحلية في مرحلة أولى، تليها آفاق للتصدير في المراحل المقبلة، وهو المبتغى الذي تسعى السلطات العمومية من ورائه إلى تخفيض تكلفة استيراد هذه المادة الحيوية، وتحقيق الأمن الغذائي، في ظل المتغيّرات الجيو-استراتيجية التي يعرفها العالم بشكل متسارع، جعلت الاستقلالية الغذائية – بحسب المتحدث-
ورقة ضغط قوية لتحقيق السيادة الاقتصادية، التي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال بناء اقتصاد محلي منتج. فالمشروع يكتسي أهمية تنموية جهوية خاصة، بالنظر إلى مساهمته المباشرة في تعزيز الأمن الغذائي، وخلق حركية خاصة على المستوى المحلي، وأثره الإيجابي على الاستثمار، كما يجّسد التوجّه نحو المؤهّلات المحلية واستغلال الإمكانات المتاحة في إطار تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.
أمّا فيما يتعلق بالشراكة الجزائرية -الإيطالية بولاية تيميمون، فقد ثمّن كريم حسن ما حقّقه مشروع البقوليات، لا سيما فيما يتعلّق بإنتاج القمح الصلب، من نتائج غير مسبوقة أثبتت نجاعة استراتيجية قائمة على التوجه نحو الشراكات الأجنبية والاعتماد على التكنولوجيا والمكننة في القطاع الزراعي، التي تجسّدت بقوة في شعبة الحبوب والبقوليات، من خلال المشروع الهام للمجموعة الإيطالية Bonifiche Ferraresi لاستغلال 36 ألف هكتار في تيميمون بقيمة 420 مليون يورو، ومن المتوقّع أن يمتد إلى فروع أخرى مستقبلا، خاصة وأنّ القطاع الفلاحي في إيطاليا، يعتمد بشكل مكثف على التكنولوجيا، وهو ما تعمل الجزائر على الاستفادة منه، لتغيير الصورة النمطية للجنوب الجزائري المتمركزة حول الطاقة وإنتاج التمور والسياحة الصّحراوية، إلى صورة تنموية وفرص استثمارية واعدة.




