في قسنطينة لا يقتصر عيد الأضحى على إقامة الشعيرة الدينية وذبح الأضحية، بل يرتبط أيضا بعادات متوارثة صنعت عبر الزمن خصوصية العيد داخل البيوت القسنطينية، طقوس تختلف تفاصيلها من عائلة إلى أخرى، لكنها تظل حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية للمدينة، حاملة معها مزيجا من المعتقدات الشعبية وأجواء “اللمة” والفرحة التي تميز المناسبة.
تبدأ هذه الطقوس منذ ليلة العيد، حيث تحرص كثير من العائلات القسنطينية على إحياء “عادة الحنّة”، فلا تقتصر على النساء والفتيات فقط، بل تشمل أيضا الأضحية نفسها، إذ توضع الحناء على رأس الكبش أو قرنيه وسط أجواء احتفالية يطبعها الدعاء والتبريك، باعتبارها رمزا للفرح واليمن، كما تحنى أيدي الأطفال وحتى بعض أفراد العائلة، خاصة الصغار، في مشهد يذكر بأجواء المناسبات العائلية الكبرى والأعراس.
وفي هذا السياق، تؤكّد الحرفية والمهتمة بالتراث الشعبي سميرة قردون أن كثيرا من عادات عيد الأضحى في قسنطينة “مرتبطة بالذاكرة الجماعية للعائلات القسنطينية وبفكرة البركة والتفاؤل”، مشيرة إلى أنّ الحنة ليلة العيد “من أقدم الطقوس التي تحافظ عليها العائلات، حيث كانت الجدّات يعتبرنها رمزا لليُمن والحماية واستقبال المناسبة المباركة”.
ومن أبرز العادات التي لا تزال بعض الأسر تحافظ عليها صباح العيد، مسح وجه الأطفال بـ “الجلد” (الهيدورة) مباشرة بعد الذبح، اعتقادا بأنه يحمي البشرة من الحبوب وحب الشباب مستقبلا، خاصة لدى المراهقين، وغالبا ما تقوم الجدات أو الأمهات بهذه العادة وسط دعوات بالصحة والبركة، في طقس يعتبره كثيرون جزءا من “بركة العيد” أكثر من كونه معتقدا مؤكدا.
كما تتميز قسنطينة بعادة الصيام صباح يوم العيد، حيث يفضّل كثير من العائلات عدم تناول أي شيء إلى غاية الانتهاء من الذبح وتحضير “كبدة العيد” المشوية، لتكون أول وجبة يفطر عليها الجميع جماعيا، وتبقى رائحة الشواء المتصاعدة من أسطح المنازل والأحياء الشعبية واحدة من أكثر الصور التصاقا بذاكرة العيد القسنطيني، حيث تجتمع العائلة حول طبق الكبد المشوي في أجواء يطبعها الدفء واللمة.
ومن الطقوس الشعبية التي ما تزال حاضرة أيضا، احتفاظ بعض العائلات بقرون الأضحية وتعليقها عند مداخل المنازل أو فوق الأسطح، اعتقادا بأنها تقي البيت من العين والحسد وتبعد “الطاقات السلبية”. وتوضّح سميرة قردون أن هذه العادة “متجذرة في بعض الأحياء القسنطينية القديمة”، مضيفة أن مثل هذه التفاصيل الصغيرة “هي التي تمنح للعيد روحه الخاصة وتحفظ خصوصية المدينة وتراثها الشعبي”.
ولا يخلو العيد في قسنطينة من عادات أخرى مرتبطة بالأطفال، مثل منحهم قطعا صغيرة من “الدوارة” أو “الكرشة” المشوية وسط أجواء من المزاح والفرحة، إضافة إلى تسابق الصغار قديما للعب بقرون الأكباش في الأزقة والساحات الشعبية بعد انتهاء الذبح.
ورغم تراجع بعض هذه العادات مع تغير أنماط الحياة، إلا أن كثيرا من العائلات القسنطينية ما تزال متمسكة بها، ليس إيمانا بمعتقداتها بقدر ما هو حفاظ على دفء الذاكرة العائلية، وتفاصيل عيد كان دائما مناسبة للفرح واللمة، واستعادة الحكايات القديمة التي لا تزال تسكن بيوت المدينة العتيقة.




