قال الكاتب المغربي المقيم بإيطاليا، أمين بوشعيب، أن ما يعيشه المغاربة اليوم ليس مجرد أزمة غلاء عابرة، ولا مجرد انعكاس لتقلبات الأسواق الدولية كما تحاول الحكومة تسويقه عبر إعلامها الرسمي وناطقيها باسم “الإنجازات الوهمية”.
أشار الكاتب على أن ما يحدث أخطر من ذلك بكثير. قائلا :«نحن أمام سياسة ممنهجة لتكسير إرادة المواطن المغربي، وإشعاره بالعجز والإهانة اليومية، حتى يتحول مطلب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية إلى حلم بعيد المنال.”
ولفت إلى أن ملامح هذا الانتقام السياسي والاجتماعي بدأت منذ اللحظة التي خرج فيها المغاربة يطالبون بحقهم في الحرية والعدالة ومحاربة الفساد والاستبداد. فمنذ أن كسر الشعب حاجز الخوف ورفع صوته ضد اقتصاد الريع واحتكار الثروة والسلطة، بدأت بعض دوائر النفوذ تنظر إلى المواطن لا كشريك في الوطن، بل كخصم ينبغي إخضاعه وإعادته إلى “بيت الطاعة”.
وأضاف الكاتب: “حين أطلق المغاربة حملة المقاطعة الشعبية ضد الشركات المرتبطة بعزيز أخنوش، ظهرت بوضوح العقلية التي تدير البلاد. يومها لم يُعامل المواطن باعتباره مستهلكًا حرًا يمارس حقه المشروع في الاحتجاج الاقتصادي، بل جرى التعامل معه كـ«متمرّد” يستحق التأديب. ولم ينس المغاربة تلك اللغة المتعالية التي خرج بها أخنوش متحدثًا عن ضرورة “إعادة التربية”، وكأن الشعب مجرد قطيع يجب تلقينه الطاعة بدل الإنصات إلى مطالبه المشروعة.”
إفقار وضغط نفسي
ومنذ ذلك الحين ـ كما يقول الكاتب أمين بوشعيب ـ “ بدا وكأن هناك قرارًا غير معلن بدفع المغاربة نحو مزيد من الإفقار والضغط النفسي والاجتماعي. فكل شيء ارتفع ثمنه بشكل جنوني: الزيت، السكر، الخضر، اللحوم، المحروقات، النقل، الكهرباء، الماء، التعليم، والعلاج… حتى أبسط شروط العيش الكريم أصبحت عبئًا ثقيلاً على ملايين الأسر المغربية. أما الأجور فبقيت جامدة، وكأن المطلوب من المواطن أن يتحمل وحده نتائج الفشل السياسي والاقتصادي”.
إن ما شهدته الأسواق المغربية، ـ حسب الكاتب ـ من انفلات مهول للأسعار، “ليس مجرد خلل اقتصادي عابر، بل نتيجة طبيعية لتحالف السلطة بالمال، واحتكار السوق من طرف لوبيات مرتبطة بمراكز النفوذ”. “حكومة أخنوش لم تأتِ لحماية القدرة الشرائية للمغاربة، بل لحماية مصالح كبار المحتكرين، ولو كان الثمن سحق الطبقة الوسطى ودفع الفقراء نحو اليأس والانهيار”.
لقد تحولت الدولة في نظر كثير من المغاربة إلى آلة جباية ضخمة: ترفع الأسعار، تثقل الضرائب، تقلص الخدمات، وتترك المواطن وحيدًا في مواجهة الجوع والبطالة والمرض واليأس. بل الأخطر من ذلك أن هناك من يحاول إقناع الناس بأن معاناتهم “قدر طبيعي”، وأن من يشتكي إنما يبالغ أو يخدم “أجندات مشبوهة”.
وطن لا يسع شعبه
لكن الحقيقة التي يدركها الجميع هي أن المغاربة لم يعودوا يطالبون بالرفاهية، بل فقط بالحق في العيش بكرامة داخل وطنهم. يريدون دولة تحميهم لا سلطة تعاقبهم، يريدون اقتصادًا يخدم الشعب لا لوبيات الاحتكار، ويريدون مسؤولين يشعرون بآلام الناس بدل التفاخر بالأرقام والخطب الفارغة.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي سلطة هو أن تدفع شعبها إلى الشعور بأن وطنه لم يعد يتسع له. فالشعوب قد تتحمل الفقر لسنوات، لكنها لا تغفر الإهانة، ولا تنسى من حوّل حياتها اليومية إلى جحيم من الغلاء والخوف والعجز. والمغاربة الذين صبروا طويلًا، وابتلعوا مرارة التهميش والاحتقار، يدركون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الأزمة ليست فقط أزمة أسعار، بل أزمة حكم وعقلية وسلطة اختارت الاصطفاف إلى جانب المال والنفوذ ضد الشعب.
وحين يصبح أداء فاتورة الكهرباء معركة، وتتحول لقمة العيش إلى كابوس يؤرق الأسر المغربية، فاعلم أن الأمر لم يعد مجرد فشل حكومي، بل سقوط أخلاقي وسياسي مدوٍّ. لأن الدولة التي تعجز عن حماية كرامة مواطنيها، أو تتجاهل معاناتهم، تفتح بنفسها أبواب الغضب وفقدان الثقة والانفجار الاجتماعي. ويبقى السؤال الذي يطارد المغاربة كل يوم:
إلى متى سيستمر هذا الوطن في مطالبة الفقراء بالصبر، بينما تُفتح خزائن البلاد أمام لوبيات الريع والاحتكار؟ وإلى متى سيظل الشعب يؤدي ثمن سياسات لم يخترها، وحكومات لا تسمع إلا صوت أصحاب الثروة والنفوذ؟.



