متاهة من الجليد تأخذني حين أرى جنديا يجر طفلا، ينتشله من أرض الطفولة ويرميه في وحل الفزع والخوف والدموع والتوسّل، الكاميرات ليست فقط شاهدة عيان على تصرف وسلوك ووحشية، انها الميدان الصادق للتوثيق وحضورها سيضاف إلى صفحات المؤرخين.. قالت لي وهي تفرك أصابعها فرحا: انظري إلى المجرم والسفاح والإرهابي الصغير.. !! انظري إلى جنودنا كيف يضحون بأنفسهم من أجل أمننا..
نظرت إلى شاشة التلفزيون المعلقة على الجدار، جميع من في الغرفة تسلّلوا إلى خلايا الشاشة الزجاجية وتحولوا إلى أيدي تحضن الجندي المصفح والمدجج والبندقية – التي لا أعرف من أي نوع – يضرب بها رأس الصبي، نعم عمره لا يتجاوز الثانية عشرة.
حالة الفرح والضحك وشدّ الشفاه ومطها حتى تندفع القهقهة من الحلق إلى الخارج معلنة الانتصار الكاسح.. يا للهول..!! قلتها في داخلي على طريقة الفنان يوسف وهبي، كيف لم أجد من بين الوجوه وجها يتساءل بصراحة عن هذا الصبي وكيف وصل به الأمر الى الصراخ والبكاء تحت عقب البندقية.. وكيف لم يحرك بكاء الصبي مشاعر الأمهات الجالسات، خاصة تلك المرأة التي تحضن ابنتها التي تدل ملامحها على عمرها القريب من عمر الصبي الذي يجره الجندي.عادت المرأة موجهة الحديث إليّ.. انظري إلى الصبي كيف يتوسل الجندي..!! عندها وحتى أتخلص من ثرثرتها المسيجة بالاستعلاء والعنصرية، فلا أريد مناقشتها لأن النقاش حول الوضع السياسي الآن أمام هذه الوجوه سيتحول إلى ساحة صراخ ودفاع عن الحق والتاريخ..الخ.. والانتظار لدى الطبيب لا يتحمل شراسة الكلام وجنون اللغة حين تشعر أن الزيف والباطل والخداع قد مهدوا الطريق للنقاش.
تكلمت مع ابنتي باللغة العربية.. وإذ بهم ينظرون إلي بعيون اتسعت حدقاتها، ثم طأطأت المرأة الثرثارة رأسها وصمتت، اختفت لغة المباهاة، الشفاه التي فتحت أبواب الضحكات، تقلصت وسكنت فوق ضحكاتها أقفاصا من الحديد لطيور بلا أجنحة تصر على الطيران.
عدت للشاشة المعلقة، القناة الثانية الصهيونية تمسك التحليلات السياسية، إنها أشبه بالنقش على الماء أو حسب ما كانت تقول أمي – دق المي وهي مي – كلام وتحليل وتفسير وتصريح، كل محلل يحاول الصيد في الوضع السياسي، يصنع سكة حديد لوحده، يطلق صفارة قطاره الخاص، يعتقد أن قطاره سيصل أسرع على سكة العنصرية، لكن هناك من صنع طائرة نفاثة للعنصرية والحقد، وهناك من صنع صاروخا عابرا للنفوس، جميعهم حول طاولة الحوار لم يتكلموا عن الاحتلال والمستوطنين والمستوطنات والقمع والكبت والسجون والبطالة والمفاوضات، السلطة الفلسطينية بالنسبة لهم منطاد هش سيدمر تحليقه ثقب صغير من أظفر أحد الرؤساء والزعماء العرب، أو من ظفرهم الاحتلالي.
لم يتكلموا عن هجمات المستوطنين البربرية الوحشية، جميعهم خاضوا معركة المسكنة، أن الفلسطينيين يتعرضون لنا، يقتلوننا، يشهرون السكاكين في وجوهنا، يشوهون حياتنا، يجبروننا على العيش بفزع وخوف ورعب.
الكاميرا تعود مرة أخرى إلى الطفل الذي يبكي بين أيدي الجندي، والجندي يجره إلى السيارة، وبين دموع الطفل وكرنفالات القوة المهيمنة الطالعة من الجندي، أطلت السكرتيرة وأخذت تنادي على أسمي، فتخلصت من تنهيدة كانت قد استقرت على نوافذ صبري ولطخت بريقه، تريد الخروج خوفا من الاختناق.
عندما خرجت من غرفة الطبيب، كانت المرأة الثرثارة تنتظر أمام الباب، وباقي المنتظرين يتابعون نشرة الأخبار، لم يحتج أحد؟ لم يشفق على الصبي أحد؟ لا أحد وجّه سهام النقد للجندي الذي قوته لا تعادل قوة الصبي الأعزل الضعيف..
ما زال الحارس يشاهد نشرة الأخبار، استرقت النظر وإذ بصبي فلسطيني راكبا دراجة هوائية في أحد أزقة مدينة القدس، يوقفه الجندي ويجبره على الانتظار، لأن هناك بعض المستوطنين سيمرون من هنا، وعلى الصبي الانتظار حتى يمروا، الصبي الفلسطيني رفض الوقوف والانتظار، بل أستهزأ بالجندي.
ركب دراجته وسار بعظمة وكبريا..! وكان خلفه عدة صبيان يركبون الدراجات.فرحت بشجاعة الصبي، وتدلت من عتمة الشارع حكمة تاريخية (ألم يعلم الجندي أن الاحتلال طقس عابر مهما مرّ الزمن!) هؤلاء الصبيان وحدهم من يحملون حقائب الفجر..







