فضــاءات طبيعيــة تتمتـع بقيمة بيئيـة وعلميـة عالميــة
تواصل الحظيرة الوطنية للقالة تأكيد مكانتها كواحدة من أهم الفضاءات الطبيعية المحمية في الجزائر وحوض البحر الأبيض المتوسط، بعدما كشفت نتائج الحملة الوطنية لتعداد الطيور المائية المعششة لسنة 2026 عن ثراء بيولوجي استثنائي تزخر به المناطق الرطبة التابعة لها، وعن استمرار هذه المواطن الطبيعية في لعب دورها الحيوي كملاذ آمن للعديد من الأنواع النادرة والمهدّدة بالانقراض.
وجاءت هذه النتائج في أعقاب حملة ميدانية واسعة أشرفت عليها الحظيرة الوطنية للقالة بالتنسيق مع محافظة الغابات لولاية الطارف، في إطار البرنامج الوطني لمتابعة الطيور المائية المعششة ومراقبة وضعيتها داخل الأنظمة البيئية الرطبة المصنفة دولياً.
وشملت عمليات الإحصاء والرصد مختلف مواقع “رامسار” التابعة للحظيرة، بما في ذلك بحيرة طنقة، بحيرة أوبيرة، البحيرة السوداء، بحيرة الملاح، البحيرة الزرقاء، بحيرة الطيور ومستنقع المخدة، وهي فضاءات طبيعية تتمتع بقيمة بيئية وعلمية عالمية جعلتها تحظى باعتراف دولي ضمن قائمة المناطق الرطبة ذات الأهمية الدولية.
ثراء بيولوجي يعكس سلامة الأنظمة البيئية
وأظهرت نتائج التعداد تسجيل حضور مهم للعديد من الطيور المائية المعششة التي اتخذت من هذه المناطق الرطبة موطناً للتكاثر ووضع الأعشاش، وهو ما يعكس جودة المواطن الطبيعية المتوفرة داخل الحظيرة وقدرتها على توفير شروط العيش والتكاثر لمختلف الأنواع.
ومن بين أبرز الأنواع التي تمّ تسجيلها خلال الحملة، “الحمراوي” أبيض العين و«الإرسماتير” ذات الرأس الأبيض والدجاجة السلطانية وخطافة الماء، إلى جانب “البلشون” الأرجواني واللقلق الأبيض ودجاجة الماء، وهي أصناف ترتبط عادة بالأنظمة البيئية الرطبة السليمة والغنية بالموارد الطبيعية.
كما رصدت الفرق العلمية أصنافاً أخرى ذات أهمية إيكولوجية كبيرة، من بينها الخرشنة السندويتشية والقطقاط الإسكندراني والطيطوي أحمر الساق وأبو المغازل و«الغلاريول” المطوّق والبط الخضار، ما يعزّز القيمة البيولوجية للمواقع الطبيعية التابعة للحظيرة الوطنية للقالة.
وتؤكد هذه المعطيات أن المناطق الرطبة بالطارف لا تمثل مجرد فضاءات طبيعية ذات مناظر خلابة، بل تشكل أنظمة بيئية متكاملة تساهم في الحفاظ على التوازنات الطبيعية وتوفير ظروف ملائمة لاستقرار الطيور المقيمة واستقبال الطيور المهاجرة القادمة من مختلف مناطق العالم.
وتكتسي المواقع التي شملتها الحملة، حسب الحضيرة الوطنية للقالة، أهمية خاصة على المستوى الدولي، كونها مصنفة ضمن اتفاقية رامسار الخاصة بالمناطق الرطبة ذات الأهمية العالمية، وهو تصنيف يمنح هذه الفضاءات مكانة بيئية مرموقة ويعكس دورها الحيوي في المحافظة على التنوع البيولوجي.
وتعتبر بحيرات ومستنقعات الحظيرة الوطنية للقالة من بين أهم المواقع الرطبة في شمال إفريقيا، بالنظر إلى ما توفره من موارد غذائية وفضاءات للتكاثر والتعشيش بالنسبة للعديد من الطيور المائية، فضلاً عن دورها في تنظيم التوازنات الهيدرولوجية وحماية الأنظمة الطبيعية المحيطة بها.
ويمنح هذا التصنيف الدولي مسؤولية إضافية للهيئات المكلفة بالتسيير والحماية من أجل المحافظة على الخصائص البيئية لهذه المواقع وضمان استدامتها في مواجهة مختلف التهديدات الطبيعية والبشرية.
أهمية علمية تتجاوز مجرد الإحصاء
ولا تقتصر أهمية حملة تعداد الطيور المائية المعششة على الجانب الإحصائي فقط، بل تشكل أداة علمية أساسية لمتابعة تطور الأنواع وتقييم أوضاعها البيئية على المدى المتوسط والبعيد، فالمعطيات التي يتمّ جمعها خلال هذه العمليات الميدانية تسمح للباحثين والمتخصصين بفهم ديناميكية الطيور المائية وتحديد المناطق الأكثر أهمية للتكاثر والتعشيش، كما تساعد في رصد أي تغيرات قد تطرأ على أعداد الأنواع أو توزيعها الجغرافي.
وتساهم نتائج التعداد كذلك في توجيه برامج المحافظة على التنوع البيولوجي ووضع خطط التسيير المستدام للمناطق الرطبة، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الحماية البيئية والاستفادة العقلانية من الموارد الطبيعية.
وتكتسب هذه الجهود أهمية متزايدة في ظل التحديات البيئية التي يشهدها العالم، خاصة تلك المرتبطة بالتغيرات المناخية وتراجع بعض المواطن الطبيعية نتيجة الضغوط البشرية المختلفة، فالمناطق الرطبة تعد من أكثر الأنظمة البيئية حساسية تجاه التغيرات المناخية، ما يجعل مراقبتها بشكل دوري أمراً ضرورياً للحفاظ على وظائفها البيئية وضمان استمرارية الأنواع المرتبطة بها.
وتبرز نتائج تعداد سنة 2026، أن المواقع التابعة للحظيرة الوطنية للقالة ما تزال تحتفظ بمؤهلاتها الطبيعية وقدرتها على استقطاب العديد من الطيور المائية، وهو مؤشر إيجابي يعكس أهمية الجهود المبذولة في مجال الحماية والمحافظة على البيئة.
الحظيرة الوطنية للقالة كنز بيئي وسياحي
وتعدّ الحظيرة الوطنية للقالة من أبرز المحميات الطبيعية في الجزائر، حيث تجمع داخل حدودها بين البحيرات والمستنقعات والغابات والشواطئ والأنظمة الساحلية، ما يجعلها واحدة من أغنى المناطق من حيث التنوع البيولوجي.
كما تشكّل الحظيرة وجهة واعدة للسياحة البيئية والعلمية، بالنظر إلى ما توفره من مناظر طبيعية فريدة وفرص لمراقبة الطيور واكتشاف النظم البيئية الرطبة، الأمر الذي يمنحها بعداً تنموياً إلى جانب دورها البيئي والعلمي.







