تتوجه كبريات المؤسّسات المصرفية والمالية العالمية نحو إعادة هيكلة جذرية لمنظومة التشغيل والمهن البنكية، مدفوعة بالتغلغل المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وسط تباين في القراءات حول حجم الاستغناء عن العمالة البشرية ومستقبل الكفاءات الشابة في هذا القطاع الحيوي.
أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس التنفيذي لمجموعة “جي بي مورغان تشيس” (JPMorgan Chase)، جيمي ديمون، نقاشا واسعا في الأوساط المالية الدولية بـ«وال ستريت”، عقب تأكيده أنّ الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي سيؤدي على المدى المتوسّط إلى خفض تدريجي في عدد الوظائف الكلاسيكية، مقابل التوسّع في توظيف كفاءات متخصّصة في الحوسبة المتقدمة والأنظمة الذكية، مبرزا أنّ هذا التحول سيُسهم في رفع إنتاجية المؤسّسات المالية.
وتأتي هذه التوقّعات لتتقاطع مع دراسة حديثة لمجموعة “سيتي بنك” (Citi) المصرفية، والتي أشارت إلى أنّ ما يقارب نصف الوظائف الحالية في قطاع البنوك مرشّحة لـ«الأتمتة الكاملة” أو لـ«التعزيز الهجين” بواسطة الذكاء الاصطناعي، وهو ما يفسّر الاستثمارات الضخمة التي رصدتها المصارف الأمريكية الكبرى لتطوير هذه التكنولوجيات على مدار السنوات الماضية.
وبحسب الخبراء، فإنّ هذا التحول التكنولوجي يضع القطاع المصرفي بمختلف تفرّعاته المعقدة، باعتباره من المهن المرتبطة بالتعامل المباشر مع الزبائن (Front-office) والمحلّلين الماليّين الكميّين (Quant)، إلى الخدمات الخلفية والإدارية (Back-office) وهندسة نظم المعلومات، أمام تحديات غير مسبوقة.
وفيما يتعلّق بالمصارف الأوروبية، تشهد الساحة تجارب متفاوتة؛ حيث بادر مجمّع “بي إن بي باريبا” (BNP Paribas) بإبرام شراكات استراتيجية مع عملاق الذكاء الاصطناعي “ميسترال أي آي” (Mistral AI)، وتوجّه مجمّع “بي بي سي إي” (BPCE) نحو إنشاء مركز داخلي مخصّص للذكاء الاصطناعي، بينما يعكف بنك “سوسيتي جينيرال” (Société Générale) على تطوير مساعدين رقميّين أذكياء، في المقابل، يبدي بنك “كريدي أغريكول” (Crédit Agricole) حذرا ملموسا في تبني هذه الأدوات التي توصف بـ«المتفجّرة” لما تحمل من تهديدات محتملة لآلاف مناصب الشغل.
وعلى صعيد تشخيص المخاطر، يبرز تحدٍ رئيسي يتعلّق بتكوين جيل الشباب من الماليّين؛ حيث صار الذكاء الاصطناعي قادرا على صياغة وتطوير النماذج المالية بدقة فائقة، وهي المهام الأساسية التي كانت تمنح الموظفين المبتدئين (Juniors) الخبرة الميدانية اللازمة للارتقاء إلى رتبة بنكي أعمال سيادي، ما يستدعي ابتكار آليات مرافقة جديدة تعوّض هذا النقص التكويني.
في الوقت الذي يتبنّى بعض مسؤولي البنوك العالمية خطابا مهادنا يحاول تقليل حدة القلق العام بشأن التهديد التكنولوجي، تبرز فجوة واضحة بين الوعود النظرية والقرارات التنفيذية على أرض الواقع، فالخطاب المطمئن الذي يمثله رئيس بنك “جيه بي مورغان تشيس”، جيمي ديمون، يرى إمكانية امتصاص الفائض العمالي الناتج عن الأتمتة عبر ما يصفه بـ«التآكل الطبيعي” للهياكل الوظيفية؛ وهي آلية تعتمد على استغلال موجات المتقاعدين والانسحابات الطوعية للموظفين لإعادة توازن القوى العاملة دون الحاجة لقرارات تسريح جماعية مؤلمة.
في المقابل، تبرز في الساحة المالية الدولية قراءات أكثر راديكالية وعملية لا تكتفي بانتظار المتغيّرات الديمغرافية، إنما تقود التغيير التكنولوجي بشكل حاد ومبرمج، ويتجسّد هذا التوجه الصارم في تصريحات الرئيس التنفيذي لبنك “ستاندرد تشارترد”، بيل وينترز، الذي أعلن بوضوح عن مخطّط هيكلي يستهدف تعويض قرابة 8000 وظيفة دعم إداري، بالاعتماد الكامل على التكنولوجيا الذكية خلال السنوات الأربعة المقبلة؛ ما يمثل تحوّلا جذريا من مرحلة تسيير الأزمات إلى مرحلة التخلي الواقعي عن الموظف من البشر.
وواضح أنّ مخطّطات المؤسّسات المصرفية الكبرى تكشف عن استراتيجية أعمق تستهدف تفكيك شبكات الدعم الإداري التقليدية، والتي طالما شكّلت العمود الفقري للعمليات الخلفية في البنوك، ما يدعم الحديث عن الرغبة في خفض النفقات التشغيلية المباشرة، ورفع معدّلات الكفاءة عبر خوارزميات تعمل على مدار الساعة دون توقف أو أخطاء، تدفع الإدارات التنفيذية إلى تسريع وتيرة الاستغناء عن الوظائف الروتينية، وتحويل الميزانيات الضخمة من بند الأجور إلى بند الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
واضح أنّ هذه التحولات المتسارعة تثير أزمة أمن وظيفي غير مسبوقة في القطاع المالي، حيث صارت سرعة التطور التكنولوجي تتجاوز قدرة القوى العاملة الحالية على إعادة التأهيل السريع، وإذا كان نموذج “التآكل الطبيعي” ينجح في تهدئة المخاوف مؤقتا، فإنّ وتيرة الإحلال التي تفرضها بنوك مثل “ستاندرد تشارترد” تؤكّد أنّ الفجوة الزمنية تضيق؛ ما يضع آلاف الموظّفين في مواجهة مباشرة مع واقع يتطلّب مهارات نوعية جديدة لا تملكها الأغلبية من العاملين في قطاع الخدمات الإدارية.
إنّ المشهد اليوم يتجاوز كونه خطة لتقليص العمالة ليصبح إعادة صياغة جذرية لمفهوم الحوكمة المصرفية، ومستقبل العمل في العصر الرقمي؛ ذلك أنّ نجاح البنوك في أتمتة وظائف الدعم الإداري سيغري قطاعات أخرى بتبني المقاربة الراديكالية نفسها، ما يضع صناع القرار والتشريعات العمالية أمام تحدٍّ مصيري يتطلّب خلق صمّامات أمان واقتصاديات بديلة، تضمن عدم تحول الطفرة التقنية إلى أزمة بطالة هيكلية تعصف بالاستقرار الاجتماعي.
يُذكر أنّ النقابات العمالية في القطاع المصرفي الأوروبي بدأت بالتحرّك والتعبير عن قلقها البالغ إزاء هذه التطورات، وأضفت طابعا من الحذر على وعود أرباب العمل بالالتزام بعدم القيام بتسريحات جماعية واسعة.





