الأحـرار “رقـم صعـب” والأحزاب الناشئة تزاحـم القـوى التقليديـــة في عــرس الديمقراطــية
التغطيـة الواسعة تترجم الحضـور النظــــري إلـى أصوات حقيقيـة فـي صناديق الاقـتراع
أكّد أستاذ العلوم السياسية بجامعة معسكر، الدكتور كمال فتاح، أنّ الحصيلة النهائية لقوائم المترشّحين لانتخابات المجلس الشعبي الوطني تؤسّس لعهد سياسي جديد يعكس حيوية المسار الديمقراطي في الجزائر، موضّحا أنّ معطيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تفتح الباب أمام تركيبة برلمانية متنوعة تلتقي فيها خبرة القوى السياسية مع طموح النخب الشابة والكفاءات الأكاديمية، واعتبر أن نظام الاقتراع بالقائمة المفتوحة يضمن تكافؤ الفرص ويفتح الآفاق لصياغة التوازنات القادمة..
أوضح الدكتور فتاح في تصريح لـ«الشعب” أنّ الحصيلة النهائية التي أعلنت إيداع 788 ملف تصريح جماعي بالترشّح داخل الوطن، يضم 10.168 مترشّحا، لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحوّلات البنيوية التي تشهدها الساحة السياسية، حيث تفكّك هذه الحصيلة، شيفرات التعدّدية الحالية عبر خمس مؤشّرات صاغت معالم التنافس الميداني، أولها تجلي هيمنة واضحة للقوى الكلاسيكية والتقليدية، حيث بلغ حزبا جبهة التحرير الوطني، والتجمّع الوطني الديمقراطي السقف الأقصى للترشيحات بـ 69 قائمة لكل منهما عبر كافة الدوائر الانتخابية، مستفيدين بشكل مباشر من امتدادهما التنظيمي وهياكلهما القاعدية التاريخية، التي تمنحهما أفضلية الانتشار في كل شبر من الوطن.
أمّا المؤشر الثاني، فيتمثل في بروز أقطاب منافسة جديدة أثبتت تجذرها في الساحة، ويتصدّر هذا المشهد أربعة أحزاب رئيسية هي حركة مجتمع السلم، جبهة المستقبل، حركة البناء الوطني، وحزب صوت الشعب، حيث قدّمت هذه التكتلات مجتمعة أكثر من 800 مترشّح غطوا 68 ولاية، ما يضعها في موقع المنافس الحقيقي والقادر على زحزحة القوى التقليدية عن صدارتها المطلقة.
في المقابل، يرصد المؤشّر الثالث تراجعا لافتا لبعض الأحزاب السابقة لصالح الأحزاب الناشئة، مع انحصار واضح للتحالفات الانتخابية التي اقتصرت على تحالف واحد فقط في هذه المحطة.
وسجّل الدكتور فتاح أنّ المؤشّر الرابع يحمل توقيع القوائم الحرة، حيث أضحى “الأحرار” رقما صعبا وجزءا حيويا من معادلة المنافسة بإيداع 268 ملفا في الدوائر الوطنية، لافتا إلى أنّ هذه القوائم تتكون في الغالب من رجال أعمال وفاعلين مستقلين يسعون للمنافسة المباشرة وتأكيد الحضور بعيدا عن أي غطاء حزبي، في حين يتعلق المؤشر الخامس – يواصل المتحدث – بنوعية الترشيحات، إذ طرحت التشكيلات المتنافسة خطابا يركّز على “التشبيب”، مع تأكيدها على دفع نسب عالية من المترشّحين الحائزين على مستويات جامعية، مراهنة في ذلك على منتخبيها المحليّين والشخصيات ذات الامتداد الشعبي لكسب الرهان.
التغطية الجغرافية عمود فقري للآلة الانتخابية
في تحليله للبعد المكاني للمنافسة، اعتبر الدكتور فتاح أنّ التغطية الجغرافية الواسعة التي حقّقتها الأحزاب الستة المتصدرة للمشهد، تشكّل العمود الفقري لقوتها الانتخابية، ما يعكس الانتشار الكامل وقوة التواجد الميداني الفعلي، ويضمن عدم ترك أي فراغ سياسي في الدوائر الانتخابية، موضّحا أنّ هذه التغطية الواسعة هي الأداة التي تترجم الحضور النظري إلى أصوات حقيقية في صناديق الاقتراع، ما يمهّد الطريق لهذه الأحزاب لاكتساح مقاعد المجلس الشعبي الوطني، ويوفّر لها الإمكانية والقدرة على تشكيل الأغلبية البرلمانية والوصول إلى السلطة، متجاوزة بذلك الولاءات والانتماءات الضيقة محدودة الانتشار.
وقال محدثنا إنّ “تصدّر الأحزاب التقليدية الكبرى من حيث عدد القوائم المودعة، يعد دليلا قاطعا على عودتها القوية، نظرا لإدراكها العميق لأهمية هذا الحدث الانتخابي في تكوين السلطة التشريعية وصياغة تركيبة الغرفة السفلى التي تنبثق عنها الحكومة وتقلّد المناصب القيادية في الدولة”.
رهانات القائمة المفتوحة ومخاطر تشتيت الأصوات
ردّا على سؤال حول ارتباط كثافة الترشيحات بفرص الفوز، أكّد كمال فتاح أنّ “عدد القوائم المترشّحة لا يعد في حد ذاته مؤشّرا حقيقيا أو دقيقا على فرص الظفر بالمقاعد النيابية”، وعلّل هذا الطرح بالعودة إلى طبيعة البيئة القانونية الحاكمة للعملية الانتخابية، المتمثلة في نظام التمثيل النسبي عبر الاقتراع بالقائمة المفتوحة، فالفوز في ظل هذه القواعد يرتبط أساسا بحجم الأصوات المتحصّل عليها، وبلوغ العتبة الانتخابية، وطبيعة التحالفات، وليس بكثرة القوائم المتنافسة، وأضاف أنّ التضخّم العددي للقوائم في دائرة انتخابية معينة يؤدي في كثير من الأحيان إلى تشتيت الأصوات بدلا من حصد المقاعد.
وأوضح الدكتور فتاح أنه كلما زادت نسبة المشاركة الشعبية، يرتفع تلقائيا المعامل الانتخابي (وهو عدد الأصوات اللازمة للفوز بالمقعد الواحد)، وهنا تبرز الأفضلية الحتمية للكتل الناخبة التابعة للأحزاب التي تملك قواعد شعبية صلبة ومتينة وهياكل حزبية منظمة، إذ تكون فرصها في الصمود وحصد المقاعد أعلى بكثير من القوائم الجديدة أو المستقلة الحرّة، التي تفتقد للتنظيم الهيكلي وتعتمد على شعبية شخصيات بعينها، ما يجعل قراءة المشهد تتطلّب تركيزا على حجم الوعاء الشعبي الثابت، لا على بريق الأرقام العددية للقوائم المودعة.




