في زوايا المشهد الثقافي الجزائري، حيث تتجاور الفصحى بوقارها مع العامية بعفويتها، يبرز اسم توفيق ومان بوصفه تجربة فنية تتحدى التصنيفات الجاهزة، وتعيد الاعتبار للكلمة الشعبية باعتبارها حاملة لذاكرة الناس، لا مجرد أداة للتسلية أو الارتجال.
هذا الصوت، وهو ينحاز إلى اليومي والهامشي، لم يغفل القضايا الكبرى للأمة، بل جعلها تتسرب إلى نصوصه بذكاء فني، حيث تحضر فلسطين لا كشعار، بل كجرح مفتوح في الذاكرة، وتلوح القدس كرمز روحي يتجاوز الجغرافيا إلى المعنى.
لا يمكن الاقتراب من تجربة ومان دون الانتباه إلى هذا التوتر الخلاق بين البساطة والعمق. فالزجل عنده ليس خطابا سطحيا، ولا تعبيرا عابرا، بل هو بناء دلالي مركب، يشتغل على الإيقاع كما يشتغل على المعنى، ويزاوج بين الحكمة الشعبية والتصوير الشعري. وحين يلامس موضوع فلسطين، فإنه لا يقع في فخّ الخطابة المباشرة، بل يعيد صياغة القضية عبر تفاصيل إنسانية: أم تنتظر، طفل يسأل، بيت مهدّد، فيغدو الألم أكثر صدقا، وأشد تأثيرا.
في قصائده، تتكلّم الشوارع، وتبوح الأزقة، وتتحوّل التفاصيل الصغيرة إلى شواهد على زمن متغير. وهنا، لا يكون الوطن مفهوما محليا ضيقا، بل يمتد ليشمل كل الجراح العربية، حيث تتقاطع ذاكرة الجزائر مع ذاكرة فلسطين، ويتماهى المنفى مع المقاومة، ويغدو الإنسان هو القضية الكبرى. إن ومان، وهو يكتب بالعامية، ينجح في أن يجعل من لغته جسرا بين المحلي والقومي، بين الحي الشعبي والمدينة المقدسة.
أما حضور القدس في نصوصه، فهو حضور رمزي بامتياز. ليست مجرد مدينة، بل فكرة، وامتحان للضمير. تظهر أحيانا كحلم مؤجل، وأحيانا كأيقونة للصمود، وأحيانا كمرآة تعكس خيبات الأمة. لكنه، في كل ذلك، لا يسقط في اليأس، بل يترك نافذة للأمل، ولو كانت ضيقة، لأن الشعر، في جوهره، فعل مقاومة، لا استسلام.
ومن اللافت في تجربة ومان هذا الحضور القوي للبعد الاجتماعي، الذي يتقاطع مع الهم القومي. فهو لا يفصل بين معاناة الفرد في حيه الشعبي، ومعاناة الإنسان في أرض محتلة، بل يرى في الاثنين وجها لواقع واحد، عنوانه القلق، ومحوره الكرامة. لذلك، تأتي قصائده وكأنها نسيج واحد، تتداخل فيه الأصوات، وتتقاطع فيه الحكايات، دون أن تفقد وحدتها الفنية.
الإيقاع، بدوره، يلعب دورا مركزيا في حمل هذه المعاني. فالزجل، بطبيعته، يعتمد على الموسيقى الداخلية، على ذلك النبض الذي يجعل النص قابلا للإنشاد. وتوفيق ومان يوظف هذا الإيقاع ليمنح القضايا الكبرى بعدا وجدانيا، حيث تتحول الكلمات إلى نغم، والنغم إلى إحساس، والإحساس إلى موقف. وهنا، يلتقي الجمال بالالتزام، دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
كما أن البعد الرمزي يظل حاضرا بقوة، خاصة حين يتعلق الأمر بفلسطين والقدس. فالرمز يسمح له بأن يقول الكثير دون أن يقول كل شيء، وأن يفتح النص على تأويلات متعددة، تجعل القارئ شريكا في إنتاج المعنى. وهذا ما يمنح شعره تلك الحيوية التي تتجاوز اللحظة، وتبقى قابلة للقراءة في سياقات مختلفة.
في سياق أوسع، يمكن قراءة تجربة ومان بوصفها مساهمة في إعادة الاعتبار للثقافة الشعبية، وفي الوقت ذاته في إعادة وصلها بالقضايا الكبرى. فالزجل، في يده، لا ينحصر في المحلي، بل ينفتح على الإنساني، ولا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى مساءلته. ومن هنا، فإن حضوره لفلسطين والقدس ليس إضافة عرضية، بل امتداد طبيعي لرؤية ترى في الشعر أداة للوعي، لا مجرد تعبير.
إن توفيق ومان يكتب ليؤكد أن الكلمة، مهما كانت بسيطة، يمكن أن تحمل قضية، وأن العامية، مهما بدت يومية، قادرة على احتضان القضايا الكبرى. لقد جعل من قصيدته مساحة يلتقي فيها صوت الحي الشعبي مع صدى القدس، وتتعانق فيها ذاكرة الجزائر مع وجع فلسطين، فكان بذلك صوتا شعريا يعبر الحدود، دون أن يغادر جذوره.
هكذا، يبقى ومان شاعرا يكتب من الداخل، من قلب التجربة، حيث تتحوّل الكلمة إلى موقف، والقصيدة إلى شهادة. وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات، يظل صوته مختلفا، لأنه لا يسعى إلى الضجيج، بل إلى المعنى، ولا إلى العابر، بل إلى ما يبقى: الإنسان، وقضيته، وحقه في أن يحلم، حتى في أكثر اللحظات قسوة.






