بلهـادي: الانتخابـات تحسمها صناديـق الاقــتراع وهـي صاحبــة كلمــة الفـصـل
زرواطــي: معيار النجـاح.. جودة الخطـاب وقـــرب البرنامج مـــن المواطـــن
ديلمــي: الأحزاب المتجذّرة تمتلــك خزانـات مناضلــين وتتفــوّق فـــي التغطيــة
بن خلــوف: التشريعيـات تحتـاج مشاريـــع وطنيـــة وليـس خطابات محليــّة
كلمـة الفصل لصناديـــق الاقـتراع ووعـي النـاخب فـي اختيــار الكفــاءات
أكّد ممثلو أحزاب سياسية أنّ الانتخابات التشريعية المقبلة، تشكّل محطة واعدة لإعادة هندسة المشهد البرلماني، وتثمين التعدّدية السياسية الحقيقية التي تشهدها الجزائر، وأبرزوا أنّ الحركية الانتخابية الكبيرة والإقبال اللافت على الترشّح، يعكسان رغبة قوية لدى مختلف القوى الحزبية والقوائم الحرّة في إثراء التنافس الديمقراطي ببرامج واقعية ومشاريع وطنية طموحة، وأجمعوا على أنّ “كلمة الفصل ستبقى لصناديق الاقتراع ووعي الناخب الجزائري في اختيار الكفاءات والمترشّحين الأكثر قربا من انشغالات المواطنين، بما يضمن بناء مؤسّسة تشريعية قوية، قادرة على مواكبة تحديات المرحلة القادمة”.
يرى الأمين العام لجبهة الحكم الراشد، عيسى بلهادي، أنّ التغطية الوطنية الواسعة وحدها غير كافية لحسم نتائج الانتخابات مسبقا، رغم أنّ القدرة على تقديم القوائم في أكبر عدد من الولايات والدوائر الانتخابية تعكس جاهزية تنظيمية وانتشارا هيكليا مهما، لكنها تبقى مجرّد مؤشّر من بين مؤشّرات عديدة، مشيرا إلى أنّ الانتخابات لا تُحسم عند مرحلة إيداع ملفات الترشّح، وإنما يوم الاقتراع من خلال إرادة الناخبين.
صناديق الاقتراع.. الفيصل
أشار بلهادي إلى أنّ التجارب الانتخابية السابقة، أثبتت أنّ الناخب الجزائري قادر على صناعة المفاجأة متى توفّرت لديه القناعة ببرنامج أو مترشّح أو قائمة معينة، لذلك تبقى صناديق الاقتراع صاحبة كلمة الفصل مهما كانت المعطيات الأولية، موضّحا أنّ الأرقام المعلن عنها من طرف السلطة الوطنية للانتخابات تكشف عن تعدّدية سياسية قائمة، وتترجم وجود حركية انتخابية معتبرة، ورغبة لدى مختلف الفاعلين السياسيين في المشاركة في هذا الاستحقاق الوطني الهام، غير أنّ القراءة الموضوعية لهذه الأرقام تستوجب التمييز بين الحضور الكمي والحضور النوعي.
ويرى بلهادي أنّ تغطية معظم ولايات الوطن تعكس قدرة تنظيمية معتبرة، لكنها لا يمكن أن تكون المعيار الوحيد للحكم على القوة السياسية لأي حزب، فمن الصعب الحديث عن مساواة كاملة بين أحزاب يعود وجودها القانوني والسياسي إلى 15 أو 20 أو 30 عاما، وبين أحزاب حديثة النشأة لا تزال في مرحلة إرساء دعائمها التنظيمية والسياسية، حيث يتضح أنّ الأحزاب العتيدة تستفيد – بطبيعة الحال – من تراكم الخبرة والتواجد المؤسّساتي داخل المجالس المنتخبة، ومن شبكات تنظيمية وبشرية ولوجيستية راكمتها عبر سنوات طويلة، في حين تجد الأحزاب الجديدة نفسها مطالبة ببذل جهود مضاعفة لتحقيق الحد الأدنى من الانتشار والتأطير.
وأكّد بلهادي أنّ النجاح الانتخابي، يرتبط أساسا بمدى قدرة الحزب أو القائمة على تحويل حضورها التنظيمي إلى أصوات فعلية في صناديق الاقتراع، كما يرتبط بمصداقية المترشّحين ونوعية البرامج ومدى قربها من انشغالات المواطنين، ولهذا فإنّ كثرة القوائم قد تمنح انتشارا أوسع، لكنها لا تعوض الثقة الشعبية التي تبقى العامل الحاسم في تحديد النتائج النهائية.
وبحسب بلهادي، يُنظر إلى هذا الحضور باعتباره إثراء للحياة الديمقراطية وتوسيعا لخيارات الناخب، غير أنّ نجاح القوائم الحرّة يبقى مرتبطا بقدرتها على التحول من حضور انتخابي ظرفي، إلى مشروع سياسي مستدام قادر على التأطير والمرافقة وصناعة البدائل، فالديمقراطية لا تحتاج التنافس الانتخابي وحده، وإنما تحتاج أيضا إلى الاستمرارية والتأطير السياسي والمؤسّساتي.
العبرة بنوعية المشاريع والبرامج
من جهتها، ترى رئيسة حزب تجمّع أمل الجزائر “تاج”، فاطمة الزهراء زرواطي، أنّ الأرقام المعلنة تؤكّد وجود إرادة لدى الأحزاب السياسية والمترشّحين للمساهمة في إثراء التنافس الديمقراطي وتقديم بدائل وبرامج تستجيب لتطلّعات المواطنين، مشيرة إلى أنّ الأهم من عدد القوائم هو نوعية المشاريع السياسية والقدرة على إقناع الناخبين ببرامج واقعية وقابلة للتجسيد.
وأوضحت زرواطي أنّ كل حزب يشارك حسب انتشاره في الولايات وحسب استعداده لتقديم قائمة تنافسية، غير أنّ التغطية الواسعة تبقى مؤشّرا تنظيميا مهما، لكنها ليست وحدها معيار النجاح، فالحسم يبقى في ثقة المواطن وفي جودة الخطاب والبرنامج المقدم.
وبحسب زرواطي، فإنّ التجارب الانتخابية أثبتت أنّ كثرة القوائم لا تعني تلقائيا الحصول على عدد أكبر من المقاعد، فالنجاح الانتخابي يرتبط بعدة عوامل، منها مصداقية المترشّحين، قوة البرنامج، القرب من انشغالات المواطنين، وحسن إدارة الحملة الانتخابية، لذلك، فإنّ المنافسة الحقيقية ستكون على أساس القدرة على إقناع الناخبين، وليس على أساس عدد القوائم المودعة.
في المقابل ترى رئيسة “تاج” أنّ القوائم الحرة أصبحت مكوّنا من مكونات المشهد الانتخابي، وهي تعبّر عن رغبة بعض الفاعلين في خوض المنافسة خارج الأطر الحزبية التقليدية، مؤكّدة أنّ وجودها لا يمكن أن يعوّض الوجود الحزبي، لكن يمكن أن يساهم في توسيع دائرة المشاركة السياسية وإثراء النقاش العام داخل المؤسّسة التشريعية.
محطة لهندسة المشهد السياسي
في المقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية، وعضو اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، محمد الطاهر ديلمي، أنّ التشريعيات المقبلة تختلف كليا عن سابقاتها، وذلك لعدة أسباب منها الظرف السياسي على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، وكذلك الترسانة القانونية التي تم سنّها والمتعلقة بالانتخابات، وتحديدا تشجيع الشباب والتصدي للمال الفاسد بمختلف أشكاله وأنواعه.
ويرى ديلمي أنّ الأهمية لا تكمن فيما تأتي به صناديق الاقتراع من نتائج، فالعملية الانتخابية – في حدّ ذاتها – ستساهم في هندسة الفضاء السياسي، من خلال إفراز أحزاب لها امتداد وتجذّر، أمّا كثرة القوائم فتنتظر نتائجها في الصناديق، وهو المعيار الحقيقي على مدى تأثيرها شعبيا.
وبحسب ديلمي، فإنّ السلطة كشفت عن عدد مهم للقوائم المترشّحة سواء من طرف الأحزاب أو القوائم الحرة، مشيرا إلى وجود تفاوت من حزب إلى آخر في تغطية كل الولايات، ويظهر جليا أنّ الأحزاب المتجذرة التي تمتلك خزانا من المناضلين، أو استعانت بمترشّحين وليسوا مناضلين استطاعت تغطية غالبية ولايات الوطن.
ويؤكّد ديلمي أنّ العلمية الانتخابية ليست في كثرة القوائم، وإن كانت ظاهرة صحية في الفعل الديمقراطي، لكن الأساس هو ما تتضمّنه القوائم من مترشّحين يحوزون على ثقة المواطن ولهم مصداقية، ناهيك عن استراتيجية التسويق السياسي التي يعتمدها كل حزب لفوز مترشّحيه.
في المقابل، يرى محدثنا أنه لا تأثير للقوائم الحرة في العملية الانتخابية، وذلك نظرا لعددها القليل مقارنة بانتخابات 2021، بالإضافة إلى أنّ بناء المؤسّسات يعتمد على أحزاب قوية متجذّرة، كما يقول، ويواصل: “هذا لا يعني انتقاصا من دور الفائزين في الانتخابات من القوائم الحرّة في العمل التشريعي”.
غربلة قانونية صارمة
من جهته، أوضح العضو القيادي بحركة البناء الوطني، كمال بن خلوف، أنّ أرقام السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تعكس حركية سياسية لافتة وإقبالا كبيرا على العملية الانتخابية المقرّرة جويلية المقبل، رغم أنّ عملية التدقيق والغربلة جاءت متطابقة نسبيا بين الداخل والخارج، حيث قُبل 70 بالمائة من المترشّحين – 6994 في الداخل و364 في الخارج – بينما رُفض 30 بالمائة، 3174 في الداخل و164 في الخارج.
وأكّد بن خلوف أنّ حجم القوائم يظهر تباينا في الجاهزية بين الأحزاب، فالتي تتمتّع بامتداد وطني نجحت في التموقع والنشر عبر أغلب أو كل ولايات الوطن، أمّا الأحزاب الأخرى فقد شاركت في بعض الدوائر فقط، لتجنّب الإقصاء القانوني من الحياة السياسية حسب قانون الأحزاب.
ونبّه بن خلوف إلى أنّ كثرة القوائم لا تعني بالضرورة النجاح، بل قد تؤدي إلى تشتيت أصوات الناخبين والعجز عن بلوغ عتبة 5 بالمائة، ما يمهّد الطريق لهيمنة أحزاب بعينها على البرلمان القادم، في حين يرى أنّ القوائم الحرة شهدت تراجعا مقارنة بانتخابات 2021، حيث انخفضت من 1200 قائمة إلى ما دون 170 قائمة في 2026.
ويرى بن خلوف أنّ هذا التراجع يعود إلى انضواء أغلب المترشّحين الأحرار تحت ألوية أحزابهم السابقة، خاصة مع افتقاد القوائم الحرّة للقاعدة الانتخابية والخبرة مقارنة بالأحزاب المهيمنة، ناهيك عن تبني القوائم الحرة لخطاب محلي ضيّق يشبه خطاب الانتخابات البلدية أو الولائية، في حين أنّ الانتخابات التشريعية تتطلّب أحزابا قوية ذات برامج ومشاريع وطنية.



