توقّعــات بوصــول استثمـارات الذّكـاء الاصطناعي إلى 2500 مليار دولار.. هذا العــــام
9 مليـارات متر مكعب من المياه العذبة.. الثّمن السّنوي لتبريد “عقول” الآلات الذّكية
حذّر تقرير حديث صادر عن معهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة (INWEH) من التداعيات البيئية والمناخية الخطيرة الناجمة عن “شراهة” مراكز البيانات المستغلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، لاسيما التوليدي منها، بالرغم من الآفاق الإيجابية التي يمكن أن يوفرها هذا التطور التكنولوجي لتقليص الفجوة الرقمية ودعم الأنظمة الصحية في بلدان الجنوب العالمي.
في هذا الصدد، كشف التقرير الأممي عن قفزة هائلة في حجم الإنفاق الاستثماري الموجه لبناء مراكز البيانات وتبني الذكاء الاصطناعي من قبل الشركات؛ حيث انتقلت المصاريف من نحو 190 مليار دولار سنة 2023 إلى 580 مليار دولار عام 2025، وسط توقعات بأن تصل إلى 2500 مليار دولار خلال العام الجاري، قبل أن تتضاعف بحلول سنة 2033.
هذا السباق المحموم يتطلب طاقات كهربائية هائلة بالجيغاوات تزداد مع كل جيل جديد من البرمجيات؛ إذ استهلك تدريب نموذج “ChatGPT 4” ما بين 50 و70 جيغاوات/ساعة (أي ما يعادل عشرات المرات مقارنة بالنسخة السابقة)، في حين كسر النموذج الأحدث “ChatGPT 5” حاجز الـ100 جيغاوات/ساعة.
ويشير الخبراء إلى أن مرحلة “الاستخدام الفعلي” (Inference) تستهلك طاقة تفوق مرحلة التدريب بـ 4 إلى 9 مرات، ما سيرفع إجمالي استهلاك مراكز البيانات عبر العالم إلى 484 تيرابايت/ساعة بحلول نهاية 2025، وهو ما يقارب الإنتاج الكهربائي السنوي لفرنسا، ويفوق استهلاك سويسرا بثماني مرات، كما أنه يكفي لتغطية حاجيات قارة إفريقيا جنوب الصحراء بأكملها لمدة ثلاث سنوات كاملة.
وتتوقع التقديرات الأممية تضاعف هذه الاحتياجات الطاقوية بحلول عام 2030، ليستأثر الذكاء الاصطناعي لوحده بـ 40 بالمائة منها، وينعكس هذا الوضع مباشرة على حجم الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري، خاصة وأن نصف هذه المراكز تتركز في الولايات المتحدة والصين، حيث تعتمد شبكات الكهرباء هناك بشكل كبير على الكربون (345 غرام و510 غرام من ثنائي أكسيد الكربون لكل كيلوات /ساعة على التوالي)، على خلاف دول مثل سويسرا، والسويد التي تعد بمثابة “إلدورادو” أو ملاذات آمنة لذكاء اصطناعي أكثر رصانة بفضل اعتمادها على الطاقة النووية والمائية.
وإلى جانب استهلاك الكهرباء، نبّهت الهيئة الأممية إلى معضلة استنزاف الموارد المائية؛ حيث سيتسبب تشغيل هذه المراكز بحلول عام 2030 في استهلاك 9 مليارات متر مكعب من المياه العذبة المستخدمة في التبريد وتوليد الطاقة (خاصة عبر السدود في دول كالسويد وسويسرا والبرازيل)، وهو ما يعادل الاحتياجات السنوية لسكان إفريقيا جنوب الصحراء، فضلا عن ذلك، سيتطلب إنتاج هذه الطاقة تعبئة مساحات أرضية شاسعة تناهز 14 ألف كيلومتر مربع عبر العالم، أي ما يعادل ثلث مساحة سويسرا.
ولم تغفل المنظمة الدولية الجانب المتعلق بـ “النفايات الإلكترونية”، محذرة من تراكم 2.5 مليون طن إضافي من المخلفات سنويا بحلول عام 2030 جراء التقادم السريع للأنظمة المعلوماتية، وهو وزن يعادل “250 برج إيفل”، ما يستدعي تعزيز وتكثيف عمليات تدوير المواد النادرة والدقيقة المستخدمة في الرقاقات والبطاقات الإلكترونية.
وفي سياق متصل، سلط التقرير الضوء على السلوكيات الرقمية اليومية للمستخدمين؛ مبرزا أن الاستعلام عبر محرك بحث مدعوم بالذكاء الاصطناعي (مثل غوغل) يضاعف استهلاك الطاقة بـ 10 مرات مقارنة بالبحث العادي (0.3 وات/ساعة)، كما أن توليد مقاطع الفيديو بدقة عالية جدا (HD) يستهلك طاقة تفوق بـ125 مرة تلك المستخدمة في جودة أقل، وهي طاقة غالبا ما تكون غير ضرورية للعرض على الهواتف المحمولة.
وأشار الخبراء – في هذا الصدد – إلى ما يعرف بـ “تأثير الارتداد” أو “مفارقة جيفونز”، حيث يؤدي تحسين كفاءة استخدام الطاقة تاريخيا إلى خلق استخدامات جديدة ومكثفة بدل خفض الاستهلاك الإجمالي.
وأمام هذه التحديات المقلقة، دعت الأمم المتحدة كافة الفاعلين في المجتمع – من مصنعي الحواسيب، ومطوري اللغات البرمجية، والباحثين، والمنظمات غير الحكومية، ووسائل الإعلام، وصولا إلى سلطات الضبط والمستهلكين – إلى ضرورة تضافر الجهود لتبني استخدام عقلاني ومسؤول للذكاء الاصطناعي، لتفادي تقويض المساعي الدولية الرامية لكبح التغير المناخي.
وخلص التقرير إلى مسحة من التفاؤل بربطها بالموجة المرتقبة لولوج عمالقة القطاع (مثل OpenAI وAnthropic وSpaceX) البورصة؛ إذ ستجبرهم هذه الخطوة على التحلي بمزيد من الشفافية حول نماذجهم الاقتصادية وحجم استهلاكهم للموارد، كما أن ضغط المساهمين للمطالبة بالأرباح قد يدفع هذه الشركات إلى مراجعة مجانية الخدمات ورفع أسعار الاشتراكات لتغطية خسائرها الفادحة المستمرة منذ أربع سنوات، وهو ما قد يشكل حافزا تجاريا دافعا نحو “الرصانة والاعتدال الرقمي”.




