الدخول إلى السجون الصهيونية لا يشبه الانتقال إلى مكان احتجاز عادي، بل يشبه عبور بوابة إلى الجحيم؛ عالم مغلق تُسحق فيه تفاصيل الإنسان الصغيرة ببطء، وتُختصر فيه الحرية إلى أمتار قليلة من الأسمنت والحديد والعتمة. هناك، يصبح الزمن ثقيلا كالصخر، وتتحول الدقائق إلى أعوام، بينما يخضع كل نفس وكل حركة لرقابة صارمة لا ترحم.
في تلك الزنازين، لا تُقاس قوة الإنسان بعضلاته، بل بقدرته على الاحتمال والصمود أمام العزلة والقهر والإذلال اليومي. السجون الصهيونية ليست مجرد أماكن احتجاز، بل منظومة متكاملة لكسر الروح الفلسطينية، وتحويل الأسير إلى جسد منهك وروح مطاردة بالخوف والألم.
في كتابي «العائدون من الجحيم – شهادات الأسرى المحررين من سجون الاحتلال»، رصدت أنواع السجون والزنازين التي تنقسم داخل السجون الصهيونية إلى نوعين: الزنازين الانفرادية والغرف الجماعية، ولكل منهما وجه مختلف من وجوه العذاب.
فالزنزانة الانفرادية ليست سوى صندوق ضيق لا تتجاوز مساحته مترين في متر، وأحيانا أقل. جدران باردة صامتة تكاد تبتلع الأسير حيا، وأرضية خشنة تجعل الحركة نفسها عقوبة إضافية. في بدايات الاعتقال، كانت هذه الزنازين تخلو حتى من الحمام، ما أجبر الأسرى على العيش وسط ظروف مهينة لا تليق بالبشر. وبعد معارك قانونية طويلة، أُجبرت سلطات الاحتلال على تركيب حمام صغير داخل الزنزانة، لكنه ظل مساحة خانقة لا تمنح الأسير أي إحساس بالراحة أو الخصوصية.
يمتلك الأسير داخل هذا القبر الضيق ملابس واحدة للتبديل، وفرشاة أسنان، ومشطا، ومنشفة، وحذاء واحدا فقط. أشياء بسيطة تتحول إلى محاولة أخيرة للحفاظ على ما تبقى من الكرامة الإنسانية.
تمتد العقوبة الانفرادية من أسبوع إلى 21 يوما، وقد تتحول إلى شهور طويلة بأوامر قضائية تحت ذرائع أمنية، وغالبا ما يُزج فيها قادة الحركة الأسيرة، حيث يتحول الصمت إلى سلاح نفسي قاتل، وتصبح العزلة اختبارا يوميا لقدرة الإنسان على مقاومة الانهيار.
أما الغرف الجماعية، فهي تحمل نوعا آخر من القهر..كانت الغرفة الواحدة تستوعب في السابق نحو 14 أسيرا، ثم تقلص العدد إلى 6 فقط، لكنها بقيت مساحة خانقة لا تكفي لحياة البشر. تبلغ مساحة الغرفة نحو 17 مترا مربعا، وتضم حماما صغيرا ومطبخا محدود الاستخدام، إضافة إلى أسرّة حديدية بطابقين وفرش رقيقة لا يتجاوز سمكها بضعة سنتيمترات، تجعل النوم نفسه معركة يومية.
داخل تلك الغرف، تختلط همسات الأسرى بأصوات الأبواب الحديدية وصفعات الحراس وصوت الماء المتساقط في الحمام الضيق، وصوت الكلاب البوليسية التي تسبق خطوات السجان، وحتى الصمت هناك يبدو ثقيلا ومؤلما. ومع ذلك، يحاول الأسرى انتزاع لحظات إنسانية صغيرة؛ قراءة كتاب، نقاش هادئ، أو تنظيم يومهم القاسي كي لا يسقطوا في هاوية الانكسار النفسي.
ما يجعل السجون الصهيونية أكثر وحشية، ليس فقط الجدران والأسلاك الشائكة، بل الأثر النفسي العميق الذي يتركه القهر المتواصل. ففي الزنازين الانفرادية، تتحول الوحدة إلى وحش يلتهم الروح، بينما تفرض الغرف الجماعية ضغطا آخر قائما على التعايش القسري داخل مساحة ضيقة تكاد تخنق أنفاس ساكنيها.
ورغم ذلك كله، يظل الأسير الفلسطيني قادرا على الصمود. كل فرشة رقيقة، وكل زاوية ضيقة، وكل لحظة صمت تتحول إلى قصة مقاومة داخلية، تؤكد أن الإنسان يستطيع أن يحافظ على كرامته حتى في أكثر الأماكن ظلاما.
ويقسم الاحتلال الصهيوني السجون إلى نوعين: سجون يُمنع على المحكومين بالمؤبد دخولها، وعددها ثلاثة هي: النقب، وعوفر، ومجدو، أما بقية السجون فيُحتجز فيها الأسرى المحكومون بالمؤبد، مثل شطة وجلبوع وبئر السبع ونفحة وعسقلان، حيث تكون ظروف الاحتجاز أكثر قسوة وتشددا.
بدايـة الألــم
منذ احتلال عام 1967، شرع الكيان الصهيوني في بناء منظومة واسعة من السجون والمعتقلات بهدف خنق الحركة الوطنية الفلسطينية. لم يكن الهدف فقط اعتقال المقاومين، بل صناعة حالة دائمة من الرعب الجماعي، عبر اعتقال كل من يرفع صوته في وجه الاحتلال، سواء كان قائدا سياسيا أو ناشطا أو حتى طفلا لم يتجاوز العاشرة.
لكل سجن حكاية، ولكل زنزانة ذاكرة مليئة بالصراخ المكتوم والدموع المؤجلة. لقد تحولت السجون إلى أدوات إرهاب نفسي وجسدي، يُقهر فيها الإنسان قبل جسده.
سجن غزّة العمومي.. البداية الأولى
كان سجن غزة العمومي من أوائل السجون التي استخدمها الاحتلال لاحتجاز الفلسطينيين. هناك بدأت الحكاية الكبرى للأسر الجماعي، وهناك ذاق آلاف الفلسطينيين طعم الزنازين الضيقة والإهمال الطبي والجوع والازدحام القاتل. ورغم أن السجن لم يعد قائما اليوم، فإن ذكراه ما زالت محفورة في ذاكرة الحركة الأسيرة الفلسطينية.
عسقلان.. الرّطوبة والعصافير
أنشئ سجن عسقلان خلال الانتداب البريطاني كمقر عسكري، ثم تحول بعد 1967 إلى واحد من أشهر سجون الاحتلال وأكثرها قسوة. كان مركز التحقيق فيه مسرحا لأساليب التعذيب النفسي والجسدي.
ويعاني الأسرى داخله من الرطوبة الشديدة بسبب قربه من البحر، فيما يضم ما يُعرف بـ «قسم العصافير»، حيث يستخدم الاحتلال عملاء ومخبرين يتظاهرون بأنهم أسرى فلسطينيون، بهدف خداع المعتقلين وانتزاع الاعترافات منهم.
جلبوع.. السّجن شديد الحراسة
يقع سجن جلبوع شمال فلسطين، وافتتح عام 2004 بمنطقة بيسان، ويُعد من أكثر السجون تشددا من الناحية الأمنية. يعاني الأسرى داخله من درجات حرارة مرتفعة جدا وغياب وسائل التبريد، كما يستخدمه الاحتلال أداة عقابية للأسرى القادمين من جنوب الضفة الغربية بسبب بعده الجغرافي الكبير.
شطة.. سجن الخطورة القصوى
يقع بالقرب من جلبوع في وادي جالود، ويُصنف كسجن أمني شديد الخطورة، حيث يُنظر إلى الأسرى المحتجزين فيه باعتبارهم الأكثر خطورة وفق تصنيف الاحتلال.
الرملة.. مجمّع العزل والقهر
يضم سجن الرملة عدة مرافق، بينها عيادة سجن الرملة، وعزل نيتسان، وعزل أيالون، وسجن ماجين، ومعتقل نفي ترتسيا، وجميعها ارتبطت بانتهاكات واسعة وعمليات عزل قاسية بحق الأسرى.
نفحة ورامون.. صحراء العذاب
يبعد سجن نفحة الصحراوي نحو 100 كم عن بئر السبع و200 كم عن القدس، ويُعتبر من أشد السجون قسوة، خاصة قبل أحداث 7 أكتوبر 2023، حيث اشتهر بسياسات التعذيب والتضييق.
وبجواره يقع سجن رامون الذي أنشئ عام 2006 لاستيعاب الأسرى ذوي الأحكام العالية، ويضم زنازين للعزل الانفرادي.
بئر السبع – إيشل
يضم أربعة سجون منفصلة: «أوهلي كيدار» و»إيشل» للأسرى الأمنيين، و»ديكل» للسجناء الجنائيين، و»عزل أيلا» المستخدم ضد المضربين عن الطعام، في صورة تعكس تصاعد سياسات القمع الصهيونية.
ريمونيم.. جامعة الأسرى
يضم مجمع ريمونيم سجون «أوفيك» و»هشارون» و»هداريم»، ويُعرف سجن هداريم بأنه «جامعة الحركة الأسيرة»، خاصة في ظل وجود القائد مروان البرغوثي داخله، كما يضم قسم عزل يُستخدم لإبعاد قادة الأسرى وتقليل تواصلهم مع بقية المعتقلين.
أما «هشارون» فقد كان مخصصا للأسيرات قبل نقلهن إلى سجن الدامون، بينما يستخدم «أوفيك» أحيانا لاحتجاز الأسرى القاصرين.
الدامون.. من إسطبل خيل إلى سجن للأسيرات
يقع سجن الدامون شمال فلسطين، وكان في الأصل إسطبلا للخيل خلال الانتداب البريطاني، قبل أن يتحول إلى معتقل للأسيرات الفلسطينيات بعد إعادة افتتاحه خلال انتفاضة الأقصى عام 2000.
مجدو والنّقب الصّحراوي
افتتح سجن مجدو للأسرى الفلسطينيين عام 1988 في مرج ابن عامر، بينما يعد سجن النقب الصحراوي «كتسيعوت» من أشد المعتقلات قسوة، وقد أعيد افتتاحه خلال الانتفاضة الثانية عام 2002 ليصبح رمزا للعقاب الجماعي.
عوفر.. المحكمة والسّجن
يقع سجن عوفر جنوب غرب رام الله، ويضم محكمة عسكرية ومركز توقيف، ويُعد السجن الوحيد داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. ويشتهر ببرودته القاسية خلال الشتاء.
السّجن السري 1391
واحد من أكثر السجون غموضا، مجهول الموقع، ومحاط بسرية تامة. تحدثت تقارير صحفية وحقوقية عن ممارسات تعذيب وإخفاء قسري داخله، في ظل غياب كامل للرقابة.
مراكز التحقيق.. الوجه الأكثر رعبا – الجلمة «كيشون»
يقع بين حيفا والناصرة، وأعيد تشغيله خلال انتفاضة الأقصى، ويُعرف بأنه من أشد مراكز التحقيق قسوة.
المسكوبية
يقع شمال القدس، ويستخدم للتحقيق والاحتجاز الأمني، واشتهر بأساليب الضغط النفسي والتعذيب.
بيتاح تكفا
مركز تحقيق عسكري يخلو من النوافذ، ويُعرف بأنه من أكثر مراكز التحقيق استخداما للعنف حتى في التحقيقات التقليدية.
معسكرات ما بعد أكتوبر 2023
معسكر نفتالي
يقع شمال غزة، وتحول إلى مركز للاعتقالات الجماعية والإخفاء القسري والتعذيب والتجويع والحرمان من العلاج، إضافة إلى الاعتداءات الجنسية الممنهجة أحيانا.
معسكر عناتوت
أعيد تشغيله بعد حرب أكتوبر 2023، ويعاني المعتقلون داخله من ظروف لا إنسانية، ضمن سياسة الاحتلال القائمة على الاعتقال الجماعي والقهر.
سديه تيمان.. الوجه الأكثر وحشية
أصبح هذا المعسكر رمزا للعنف ضد معتقلي غزة بعد العدوان، حيث تحدث أسرى محررون عن التعذيب الممنهج والتجويع والإذلال المستمر.
شهادات من قلب الجحيم
روى أسرى محررون من غزة تفاصيل صادمة عما تعرضوا له داخل هذه المعتقلات؛ حرمان طويل من النوم، ضرب متكرر، إجبار على أوضاع مؤلمة لساعات، منع العلاج عن المرضى والجرحى، واعتداءات جنسية موثقة في بعض الحالات، فضلا عن الإخفاء القسري ومنع العائلات من معرفة مصير أبنائها.
هذه الشهادات تؤكد أن تلك المعسكرات ليست مجرد سجون، بل مصانع منظمة لإهانة الإنسان وتحطيم كرامته.
جهود حقوقية تصطدم بالصّمت الدولي
تحاول منظمات حقوقية دولية، بينها العفو الدولية ونادي الأسير الفلسطيني، فضح ما يجري داخل السجون الصهيونية، والمطالبة بتحقيقات مستقلة في جرائم التعذيب والإخفاء القسري والاعتداءات الجنسية والاعتقال التعسفي.
كما دعت هذه المؤسسات إلى تمكين اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمقررين الأمميين من الوصول غير المشروط إلى المعتقلات، والتحقيق في مصير المفقودين.
لكن هذه الجهود ما زالت تصطدم بجدار الإفلات من العقاب، والدعم السياسي الذي يحظى به الاحتلال، ما يجعل السجون الصهيونية فضاء مفتوحا للانتهاكات المستمرة.
وهكذا، لا تنتهي حكاية السجون الصهيونية عند أسوارها العالية وأبوابها الحديدية، بل تمتد إلى ضمير عالم يرى الألم الفلسطيني يوميا ثم يشيح بوجهه بعيدا. ورغم كل ما يعيشه الأسرى من تعذيب وقهر وعزلة، يبقى الأسير الفلسطيني شاهدا حيا على قدرة الإنسان على الصمود، حاملا ذاكرة لا تموت، يكتب تفاصيلها بالألم، ويختمها بإرادة لا تنكسر، في انتظار عدالة تأخرت كثيرا، لكنها لن تموت.






