تواصل شركة تكنولوجيات الإعلام والاتصال الأمريكية “مايكروسوفت” إعادة رسم معالم استراتيجيتها في مجال الذكاء الاصطناعي، بهدف تقليص تبعيتها التاريخية لشركة “أوبن آي” (OpenAI)، المطورة لبرنامج “ChatGPT”، والتوجه نحو تحقيق استقلالية تكنولوجية كاملة تتيح لها تعزيز تموقعها في سوق عالمية تشهد تنافسا محموما بين عمالقة القطاع.
في هذا السياق، كشفت المجموعة العملاقة التي تتخذ من “ريدموند” مقرا لها، عن باقة جديدة تضم سبعة برمجيات ونماذج ذكاء اصطناعي مطورة كليا من نقطة الصفر، تغطي مجالات متقدمة ومتنوعة مثل مهام “التفكير والتحليل”، كتابة الشيفرات البرمجية، توليد الصور، نسخ النصوص، بالإضافة إلى معالجة الأصوات، كما قدمت الشركة عائلة جديدة من الوكلاء الأذكياء تدعى “Scout”، وهي برمجيات تعمل بنظام “الطيار الآلي” قادرة على تنفيذ مهام ذاتية ومستمرة نيابة عن المستخدم عبر الكمبيوتر والإنترنت، مستندة في ذلك إلى تكنولوجيا منصة “OpenClaw” المجانية.
وتأتي هذه الخطوة لتعكس تحولا استراتيجيا في علاقة “مايكروسوفت” بـ “أوبن آي” التي بدأت عام 2019؛ حيث ضخت مايكروسوفت منذ ذلك الحين وحتى مطلع 2023 استثمارات ضخمة بلغت 13 مليار دولار، إلى جانب توفير البنية التحتية السحابية (Cloud) اللازمة لتطوير نماذج شريكتها، وبموجب ذلك الاتفاق التأسيسي، كانت مايكروسوفت الموزع الحصري لنماذج “أوبن آي” ودمجتها في أدواتها الخاصة مثل مساعدها الذكي “Copilot”، إلا أن بوادر التوتر بدأت تطفو على السطح نهاية عام 2023 عقب الأزمة الإدارية التي عصف بـ “أوبن آي” وإقالة مديرها العام سام ألتمان قبل إعادته لمنصبه؛ وهو الحدث الذي مثل إنذارا لـ “مايكروسوفت” حول مخاطر الاعتماد المفرط على طرف واحد، وتزامن ذلك مع تشديد سلطات ضبط المنافسة الرقابة على هذا التحالف، ما دفع الطرفين للسعي نحو مزيد من الاستقلالية.
وفي إطار خطتها البديلة، قامت مايكروسوفت في مارس 2024 بتعيين الخبير مصطفى سليمان على رأس وحدتها الخاصة بالذكاء الاصطناعي لتقود هجومها المضاد.
ولم تتوقف جهود فك الارتباط عند هذا الحد، فقد سارعت “مايكروسوفت” إلى إدراج نماذج بديلة في خدماتها السحابية ومساعدها البرمجي “GitHub Copilot”، من إنتاج مختبرات منافسة مثل “Anthropic” و “xAI” التابعة لإيلون ماسك و«Mistral AI”، وفي المقابل، تحركت “أوبن آي” لتوسيع شبكة شركائها السحابيين بالتعاون مع “أوراكل” ومؤخرا مع “أمازون” (AWS) لمواجهة التمدد المتزايد للمنافسين.
وأفضت هذه الديناميكية التنافسية، مؤخرا، إلى إعادة صياغة اتفاق الشراكة بين الطرفين ليتخذ طابعا تجاريا محض؛ حيث صار يحق لـ “أوبن آي” توزيع نماذجها عبر منصات سحابية أخرى، فيما تحتفظ “مايكروسوفت” بحق استخدام هذه النماذج في أدواتها حتى عام 2032. كما تضمن الاتفاق الجديد إعفاء مايكروسوفت من دفع نسبة 20 بالمائة لـ “أوبن آي” من مبيعات نماذجها على السحابة، مع استمرارها في تحصيل 20 بالمائة من إيرادات الشركة الناشئة حتى عام 2030.وتندرج هذه المناورة الشاملة في سياق ضغوط مالية وسوقية تواجهها مايكروسوفت، خاصة بعد تسجيل أسهمها تراجعا في البورصة بنسبة 9.5 بالمائة منذ مطلع العام، وأمام هذا الوضع، تراهن المجموعة على عامل “خفض التكاليف” كميزة تنافسية حاسمة أمام النماذج التي يطورها إيلون ماسك (xAI) ومارك زوكيربرغ (Meta)، حيث قامت الشركة مؤخرا بإلغاء اشتراكاتها الداخلية في أدوات “Anthropic” لتعويضها بحلولها الخاصة، والتحكم بشكل أفضل في نفقاتها التكنولوجية.





