في مشهد ثقافي عربي كثير الاضطراب، حيث تختلط الأصوات وتتداخل المرجعيات، ينهض اسم يوسف وغليسي بوصفه تجربة فريدة، لا تنتمي إلى مجرد السيرة الأكاديمية الباردة، بل إلى ذلك النسيج العميق الذي تتعانق فيه المعرفة مع القلق الحضاري، ويتجاور فيه الإبداع مع مساءلة الذات.
إننا أمام مثقف لم يكتف بأن يكون شاهدا على التحولات، بل اختار أن يكون جزءا من أسئلتها الكبرى، وأن يكتبها بلغة تتجاوز التوصيف إلى التفكيك، ومن الرصد إلى التأويل.
بدأت رحلة وغليسي من الصحافة المكتوبة، حيث تمرّس بالكلمة في حقل سريع الإيقاع، متقلب المزاج، يتطلّب يقظة لغوية ووعيا باللحظة. تدرج من متعاون إعلامي إلى رئيس تحرير سنة 1995، وهي محطة لا تعني مجرد ترقية وظيفية، بل تعكس قدرة مبكرة على إدارة المعنى قبل إدارة النص. غير أن هذا الأفق، على رحابته، لم يكن كافيا لروح تبحث عن العمق؛ فهجر الصحافة، لا زهادة فيها، بل ارتقاء نحو فضاء أكثر رسوخا، حين التحق بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة قسنطينة أستاذا مساعدا، ليبدأ طورا جديدا من الحفر المعرفي المنهجي.
في الجامعة، لم يكن وغليسي مجرد أستاذ يلقي المحاضرات، بل كان صانعا للأسئلة. انخرط في مخبر السرد العربي منذ سنة 1996، وشارك في عشرات الملتقيات الوطنية والدولية، حيث لم يكن حضوره شكليا، بل كان إضافة نوعية، تعيد ترتيب المفاهيم، وتختبر صلاحية المناهج في سياق عربي متحول. كما كان عضوا في اتحاد الكتاب الجزائريين، وعضوا مؤسسا لرابطة “ابداع” الثقافية، في دلالة على وعيه بأن الثقافة ليست فعلا فرديا معزولا، بل مشروع جماعي يحتاج إلى مؤسسات حاضنة.
أما تجربته الإبداعية، فقد بدأت شعرا سنة 1987، وهو تاريخ يكشف عن توازن نادر بين الحس الجمالي والوعي النقدي. في “أوجاع صفصافة في موسم الإعصار” (1995)، لا يكتب وغليسي الشعر بوصفه بوحا ذاتيا فحسب، بل كصرخة وجودية تتقاطع فيها الذات مع الجماعة، ويغدو النص مرآة لقلق إنساني أعمق. ثم في “تغريبة جعفر الطيار” (2000)، تتسع الدائرة، ويغدو الشعر رحلة في الرموز، واستعادة للذاكرة، وتفكيكا لمحنة الإنسان العربي في اغترابه المتكرر.
غير أن الوجه الأبرز في تجربة وغليسي يتجلى في مشروعه النقدي، الذي يمكن وصفه بأنه محاولة جادة لتأسيس خطاب نقدي عربي واع بذاته، ومدرك لإشكالياته. في دراسته “الخطاب النقدي عند عبد الملك مرتاض” (2002)، لا يكتفي بتحليل تجربة ناقد كبير، بل يفتح نافذة على تحولات النقد الجزائري، ويضعها في سياقها العربي الأوسع. ثم في “النقد الجزائري المعاصر”، يواصل هذا الجهد، محاولا رسم خريطة نقدية، تكشف عن التراكم، كما تفضح القطيعة.
وفي “محاضرات في النقد الأدبي المعاصر”، و«مناهج النقد الأدبي”، يتجلى هاجس التأصيل المنهجي، حيث يسعى إلى تبسيط المفاهيم دون تسطيحها، وإلى تقريب المناهج دون تفريغها من عمقها الفلسفي. أما في “إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد”، و«إشكالية تعريب المصطلحات النقدية واللسانية الحديثة”، فإننا نلامس جوهر مشروعه: اللغة بوصفها معركة حضارية. هنا، لا يعود المصطلح مجرد أداة، بل يصبح سؤال هوية، ومجالا للصراع بين التبعية والاستقلال.
يتعمق هذا الهاجس في “آلية الاشتقاق ودورها في تشكيل المصطلحات النقدية الجديدة”، حيث يقدم رؤية لغوية تستند إلى إمكانات العربية الداخلية، بدل الارتهان الكامل للترجمة. كما يواصل هذا المسار في “البنية والبنيوية في المعاجم والدراسات الأدبية”، مؤكدا أن استيراد المفاهيم دون وعي بسياقها قد يؤدي إلى اغتراب معرفي، لا يقل خطورة عن الاغتراب الثقافي.
ولم يكتف وغليسي بالتأليف الفردي، بل شارك في أعمال جماعية مثل “سلطة النص” (2001)، و«النقد العربي المعاصر – المرجع والتلقي” (2004)، في إشارة إلى إيمانه بالحوار العلمي، وبأن المعرفة لا تتشكل إلا عبر التفاعل والتراكم.
أما الجوائز التي حازها، فهي ليست مجرد أوسمة، بل اعترافات متعدّدة بمسار متنوّع. من جائزة سعاد الصباح (1995)، إلى جائزة مفدي زكريا (2005)، مرورا بجائزة الشيخ زايد للكتاب (2009)، وجائزة مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين (2020)، تتأكد قيمة هذا المشروع الذي جمع بين الشعر والنقد، وبين الإبداع والتنظير. كما أن فوزه المتكرر بجوائز وزارة الثقافة الجزائرية يعكس حضوره المستمر في المشهد الوطني.
إن تجربة يوسف وغليسي تضعنا أمام نموذج للمثقف الذي لم ينفصل عن لغته، ولم يستسلم لإغراءات السهولة، بل اختار الطريق الأصعب: طريق التفكير في أدوات التفكير نفسها. لقد كان، ولا يزال، شاهدا على تحولات النقد العربي، لكنه في الآن ذاته أحد صانعيه، وأحد الذين سعوا إلى تحريره من التبعية، وإعادته إلى جذوره الحية.
هكذا، لا يمكن قراءة وغليسي بوصفه اسما في قائمة، بل بوصفه مشروعا مفتوحا، يذكرنا بأن المعركة الحقيقية ليست في كتابة النص فقط، بل في وعي شروط كتابته، وفي مساءلة اللغة التي نكتب بها، وفي الدفاع عن حقنا في أن نفكر بلغتنا، لا أن نفكر عنها.







